المساعدات الإنسانية تصل للأكثر فقراً والطبقة الوسطى تتحوّل الى فقيرة

لا حلول ناجعة ستُقدّم للشعب اللبناني لحلّ الأزمات المتفاقمة التي يعاني منها بسبب ارتفاع أسعار العملات الأجنبية مقابل هبوط القيمة الشرائية لليرة اللبنانية الى أدنى مستوياتها. فكلّ ما تقوم به حكومة الرئيس حسّان دياب منذ استقالتها وحتى اليوم، لا يعدو كونه «إبرة مورفين» تُعطى للمريض ليس لتشفيه بل لكي لا يشعر بشدّة الألم.

أمّا القوى السياسية التي يقع عليها التوافق على تشكيل حكومة جديدة سريعاً لإنقاذ البلاد والشعب وتحقيق الإصلاحات المطلوبة منها كشرط أساسي لحصولها على الدعم المالي من الدول المانحة وصندوق النقد الدولي، فلا تقوم سوى بمواصلة خطابها الطائفي، على ما تقول أوساط ديبلوماسية مطّلعة، والذي لا يُطعِم الشعب المُجوّع من كلّ الديانات والمذاهب والطوائف خُبزاً أو يسدّ جوعه. فهذا الشعب المفتقر تدريجاً بفعل السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة، والذي وإن كان لم يخسر عمله بعد مع ارتفاع نسبة البطالة الى نحو 40 %، الا أنّ راتبه لم يعد يكفيه مصروف بضعة أيام من الشهر، وتساءلت الاوساط، بماذا سيفيده الخطاب الطائفي الذي يشدّ العصب والتعصّب قبل سنة من موعد الإنتخابات النيابية، ولا يؤمّن له عملاً أو راتباً يكفيه حتى نهاية الشهر؟!

وترى الاوساط، أنّه وسط ما يحصل، وفي ظلّ ترجيح تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية والمعيشية التي يعيشها المواطن حالياً أكثر فأكثر، لا سيما مع رفع الدعم على المحروقات الذي من شأنه أنّ ينعكس سلباً على كلّ المشتريات وعلى الحياة اليومية بشكل عام، تؤكّد دول الخارج، عبر موفديها السياسيين الى لبنان أنّ «الإنهيار الشامل فيه خط أحمر». ويلوم هؤلاء القوى السياسية كيف لا تُساعد أنفسها لكي تأتيها المساعدات الخارجية. غير أنّهم لا يقدّمون بدورهم أي حلول مناسبة، ولا يفرضونها على قوى الداخل، بالإستناد الى التجارب السابقة لبعض دول العالم التي أصابتها الأزمات الاقتصادية الكبرى نفسها.

ولهذا يستمرّ السياسيون في نفس الآداء ، على ما عقّبت الاوساط ، بعد أن تيقّنوا بأنّ العقوبات، لا سيما منها الأوروبية، ستبقى سيفاً مسلطّاً فوق رؤوسهم دون أن تُفرض عليهم، سيما وأنّ تجربة فرض العقوبات الأميركية على بعض السياسيين في الداخل، الممثلين للقوى الأساسية، لم تؤدّ الى تغيير أدائهم، إنّما انعكست سلباً على كلّ البلاد، ولم تُثمر النتائج المرجوّة منها.

من هنا، لفتت الأوساط الديبلوماسية عينها، الى أنّ استمرار أداء المسؤولين على هذا النحو، والدليل ما نسمعه في خطاباتهم ومواقفهم، وآخرها خطاب رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل، سيؤدّي حتماً وقريباً جدّاً الى الإنهيار الشامل في البلاد بعد أشهر معدودة، حتى وإن كانت دول الخارج متمسّكة بشعار «ممنوع حصول الإنهيار الكلّي في لبنان».

أمّا المساعدات الإنسانية التي تقدّمها بعض دول الخارج للشعب اللبناني، فهي لا تفيد، على ما شدّدت الاوساط ، سوى فئة معيّنة منه هي الأكثر فقرًا. في حين أنّ الطبقة الوسطى في البلد، التي كانت قادرة على كفاية نفسها بنفسها قبل انهيار العملة وحجز المصارف لأموالها المودعة فيها، فتتحوّل مع الوقت الى فقيرة لا سيما مع الغلاء الفاحش للأسعار في موازاة بقاء الرواتب محسوبة على الدولار الأميركي بقيمة 1500 ل.ل. وهذه الفئة التي تُمثّل الأكثرية في البلد تضيع حقوقها بين الطبقة الأكثر فقراً والطبقة الأكثر غنى.

فهذه المساعدات المشكورة، هي حلول آنيّة ومحدودة، فيما الشعب اللبناني ليس شعباً لاجئاً أو مهجّراً، وليس معتاداً بالتالي على العيش «على الإعاشات». من هنا، تجد الأوساط ذاتها، أنّ هذه المساعدات، إن ساهمت بجزء من الحلّ الإنساني، الا أنّها ستُشجّع القوى السياسية في البلاد على الاستمرار بتعنّتها وتواصل استخدامها للخطاب الطائفي القائم على الخوف من أنّ «الآخر سيُلغيني»، وعلى التمسّك بالصلاحيات وباسترجاع الحقوق، فيما الشعب لم يعد يكترث لكلّ هذه الأمور ويريد أن يجد فرصاً للعمل ويعمل بكرامة ويعيش بسلام في بلاده.

وبرأي الاوساط ، إنّ دول الخارج لو أرادت إيجاد أو تقديم الحلول لفعلت، غير أنّها لا تريد أن تُحلّ الأزمة الاقتصادية في لبنان التي ساهمت الولايات المتحدة بجزء كبير فيها، بل تريد أن يستنزف البلد كلّ قواه وقدراته حتى تُصبح المطالب الدولية سهلة التحقّق، إن على صعيد توطين النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين فيه، أو على صعيد الاستفادة من ثروته النفطية من خلال إعطاء قسم منها، من دون وجه حقّ، للعدو الاسرائيلي، أو لجهة تسليح الجيش ليصبح القوّة العسكرية الوحيدة في البلاد.

وجزمت الأوساط الديبلوماسية بأنّ أي من موفدي دول الخارج لن يأتي معه بالحلّ للأزمة الداخلية، لا اليوم ولا غداً، وكذلك يفعل المسؤولون السياسيون الذين سيتركون «العرقلة» هي سيدة الموقف خلال الأشهر المقبلة. كلّ ذلك كون مراوحة الوضع السياسي المجمّد مكانه يصبّ في مصلحة الجميع حالياً، في الداخل والخارج، وأي تغيير قد يُحدثه تشكيل حكومة جديدة أو إنتخابات مُبكرة ليس مطلوباً في الوقت الراهن.

فاستمرار الوضع الحكومي الحالي على ما هو عليه، سيُتيح للعدو الاسرائيلي، على ما أوضحت الأوساط ذاتها، بدء عمله في «حقل كاريش» أواخر حزيران الجاري، من دون أي اعتراض من الدولة اللبنانية، سيما وأنّ الحكومة لم توقّع على تعديل المرسوم 6433 الذي يتضمّن الإحداثيات الجديدة للحدود البحرية التي حدّدتها قيادة الجيش بالخط 29 بدلاً من الخط 23، ولم تودعه بالتالي لدى الأمم المتحدة لكي يحقّ لها الاعتراض على عملية شفط الغاز من المنطقة المتنازع عليها. علماً أنّ الوفد اللبناني يُفاوض على أساس مساحة الـ 2290 كلم2 في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية الجارية مع العدو الاسرائيلي، بدلاً من المساحة السابقة المحدّدة بين الخطين 1 و23 وتبلغ 860 كلم2.

كذلك، فإنّ بقاء حكومة تصريف الأعمال حتى نهاية العهد، لا تحلّ ولا تربط، ولا يقوم معظم وزرائها بأداء مهامهم كما يجب، على ما ذكرت الأوساط، أفضل من وجود حكومة فعلية. فالحكومة المستقيلة التي لا تعمل ولا تقوم بالتوقيع على أي قرارات مهمّة ومصيرية لا يُمكن اتهامها بالتالي بأي مسؤولية، على غرار ما حصل إثر انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي، إذ جرى تحميل حكومة دياب مسؤولية ما أهملته الحكومات السابقة منذ العام 2011. كما أنّه من شأن هذا الوضع المجمّد أن يجعل الحكومة الحالية غير قادرة على تنفيذ الخطة الحكومية المتعلّقة بإعادة النازحين السوريين الى بلادهم. وهذا الأمر يبدو أفضل حالياً بالنسبة للدول الساعية الى عقد تسويات إقليمية ودولية وتريد استخدام ورقة النازحين على الطاولة وهي لا تضمن أداء اي حكومة جديدة.