اعادة النظر بقيمة التعويضات قيد الدرس لدى «المركزي» منذ ما يُقارب العام

لم تعد حتى الأماني والأحلام في لبنان قادرة على الإستمرار، ولم يعد هناك من متسع لأي خطة كان اللبناني قد خطها في شبابه أو حلم بها لإختتام حياته في بلد يرمي شيبه لمصيرهم دون أي ضمان شيخوخة يصون كرامتهم.

اعتاد اللبناني قبل الأزمة على هذه الجزئية من الواقع المرير، وبات يعمل ويذهب الى عمله متحملا الظروف الصعبة والأجور القليلة، بمجرد ان يتضمن عقد عمله تسجيله في الضمان الإجتماعي، كيف لا وهذا الصندوق هو أقصى ما يسعى اليه اللبناني ليضمن آخرته في هذا البلد العجيب؟

في هذا السياق، أكّد رئيس الإتحاد العمالي العام بشارة الأسمر أن «لا خوف على وضع الصندوق وملاءته كبيرة، إذ تتجاوز أموال نهاية الخدمة فيه 14 مليار ليرة لبنانية، وكل المضمونين حتى الساعة يتمكنون من الحصول على حقوقهم كاملة، قد تكون أموال نهاية الخدمة للموظفين متوافرة، ولكن متوافرة بالعملة اللبنانية وعلى سعر صرف يوازي ١٥٠٠ ليرة لبنانية مقابل كل دولار، فلا يلام الصندوق، كما ولا يمكن أن يلام المواطن في ظل فوضى النقد التي أتت على كل ما هو موجود في بلد الألف مشكلة واللاحل،.

ويروي المواطن الجنوبي السيد حسين. هـ ل «الديار» قصته :افنيتُ من عمري أربع وعشرون عاما كعامل في أحد الافران بدوام ليلي، نسيتُ خلالها كيف تبدو الأيام خلال الصيف والشتاء. تحمّلتُ ظروف العمل الشاقة بجانب الفرن في غرفة صغيرة تمتلئ بالدخان الأسود والحرارة العالية، وكنتُ امضي اكثر من عشر ساعات في العمل يومياً وقوفاً على قدميّ دون أن يتسنى لي أن «احك براسي» كي لا اؤخر سير العمل السريع.

عمل حسين هذا إنعكس عليه أمراضاً مزمنة في الرئتين، وعانى من آلام حادة في القدمين وتشنجات دائمة تؤرق نومه في النهار، وكل هذا التعب كان مقابله ثلاثون ألف ليرة لبنانية في اليوم فقط لا غير، أي ما كان يعادل قبل الأزمة عشرون دولار.

يقول حسين أنه كان وزوجته يقتصدان أقصى ما يمكنهما لتغطية نفقات المأكل والمشرب وإدخار ما يكفي لسداد فواتير آخر الشهر، فيقضون الحياة يوماً بيومه، دون أي متسع للمسرات أو الملذات، كإقتناء سيارة أو تمضية نهار العطلة في أحد المنتجعات أو حتى تناول الغذاء مع العائلة في أحد المطاعم.

قد يتبادر للذهن عند قراءة قصة حسين أن ما الذي يجبره على تحمّل كل هذا؟ وعندما سألناه عن الأمر، أجاب دون تردد: لقد أخبروني أنه سوف يتم تسجيلي في الضمان! نعم، إنه الضمان، انه أقصى أحلام اللبنانيين في بلد لا يقدم فيه الإقتصاد الريعي أي فرصة لتشجيع صغار العمال أو المستثمرين على العمل والإنتاج.

تهاوت حياة حسين أمام ناظريه، كمن مرّ وخطف سنين شقاه في بضعة ساعات. هذا ما حصل فعلاً عندما قرر هذا العامل اللبناني أن ينقذ تعويض نهاية الخدمة في ظل مخاوف سادت لدى الجميع عن إنهيار للدولة ومؤسساتها، فهرول مطالبا بالحصول على المبلغ الذي حلم به طول ليالي الشتاء الباردة والصيف الحارة في ذلك المخبز البائس القابع في قرية جنوبية ساحلية صغيرة. لقد حلم بأن يحصل على هذا المبلغ عندما يكبر أولاده ويشتد عودهم ويصبحون قادرين على رعاية أنفسهم، فيضمن هو شيخوخة هادئة ومريحة الى جانب زوجته. تبخرت كل تلك الأحلام، لأن احدهم قرر أن هكذا سياسات مصرفية هي سياسات ناجحة، ولأن غيره ممن دعم هذه السياسات على مدى عقود استفاد منها وكان من مصلحته السكوت عنها وعن واضعيها.

بعد اسابيع طويلة من المعاملات والأوراق، تمكن حسين من تحصيل تعويض نهاية الخدمة، تمكن من تحصيل ٢٢٬٠٠٠٬٠٠٠ ليرة لبنانية فقط لا غير، كما ذُيّل الشك المصرفي. ما كان سوف يكون موازياً ل ١٤٬٥٠٠ دولار أميركي، أصبح يوازي ١٬٥٠٠ دولار أميركي. لم يخسر حسين ١٣٬٠٠٠ دولار فقط، لقد خسر سنين شبابه، وصحته، وشيخوخته، وليالي طويلة بعيداً عن زوجته وأطفاله. اليوم يكاد تعويض حسين ينفذ لأن يوميته التي لا تتجاوز ٣٫٥ دولار أميركي بالكاد تكفيه القليل من الجبن والحليب والسكر لطاولة الفطور فقط.

وعن اعادة النظر بقيمة تعويضات نهاية الخدمة، أوضح رئيس الديوان والمدير المالي في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي شوقي ابو ناصيف في حديث صحافي منذ تسعة أشهر، انه استتبعت الاجتماعات التي عقدت مع رئيس الحكومة، ووزير المالية باجتماع عقد مع ​حاكم مصرف لبنان رياض سلامة​ ومدير عام الصندوق الدكتور محمد كركي و​رئيس الاتحاد العمالي العام​ الدكتور بشارة الاسمر، و تم طرح موضوع تحويل تعويضات نهاية الخدمة المقبوضة الى دولار الاميركي على اساس سعر الصرف الرسمي للمحافظة على القيمة الشرائية لهذه التعويضات، وقد رّحب الحاكم بهذه الفكرة وطلب دراسة مالية حول قيمة التعويضات المسحوبة منذ بداية العام ٢٠٢٠ وعدد الطلبات وغيرها، وانه تم انجاز هذه الدراسة وارسلت بكتاب رسمي الى مصرف لبنان، وبدأ المصرف المركزي بمناقشة هذه الآلية وقد قطعت شوطا كبيرا، وما زال الجميع بانتظار صدور القرار اللازم من المصرف.

كم هناك من حسين، هناك الكثير من المواطنين العاملين بصمت تحت سيف الظلم والفوضى، فقط لأنهم «فقراء الجيب» ولأنهم ولدوا في بلد تحكمه الطوائف والاحزاب في نظام إقطاعي بحت مقنّع بالديمقراطية وتتحكم به عصابات المال والمحاصصات، فهل من ناصر لهؤلاء؟ وهل من تصرف فعلي بعيداً عن الاتجار بقضاياهم على المنابر الإنتخابية؟ طوبى لعمال وفقراء هذا البلد، فانهم ملكوت الله يستحقون!