حتى في تركيا يسألون رجب طيب اردوغان : هل يمكن أن تقبل بوجود فصائل على أرضنا على شاكلة الفصائل التي قمت بتكديسها على الأرض السورية، وبسعيها الى الاسـتيلاء على السلطة أو الى الشراكة في السلطة ؟!

السؤال أكثر من أن يكون منطقياً، وأكثر من أن يكون اتهامياً، لتعقبه الدعوة من العديد من النخب السياسية، والأكاديمية، والاعلامية، الى اعادة العلاقات مع سوريا بعدما تداعت كل السيناريوات العبثية، والمجنونة، حول احياء السلطنة العثمانية.

استاذ جامعي طرد من وظيفته العام الفائت (هكذا عرّف عن نفسه) سأله: هل أنت أكثر وعياً بمصلحة بلادنا أكثر من مصطفى كمال أتاتورك، باني تركيا الحديثة ؟

تشكيك ان بنظرة الغرب الى تركيا أو بطريقة تعامله معها. الاستاذ اياه قال «لسنا في نظرهم أكثر من حصان خشبي، ومنذ جون فوستر دالاس (وزير الخارجية في عهد دوايت ايزنهاور) وحتى الآن. وحين طلبنا الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، أوصدوا الباب في وجهنا بحجة أننا يمكن، كمسلمين، أن نجتاح القارة العجوز  بأقدامنا، لا على صهوة الخيول».

عندنا في لبنان الذين يقولون بالقطيعة مع سوريا، وقد انتهزوا المناخ الدولي، والاقليمي، لتكريس هذه القطيعة، أنواع وأنواع. منهم من يكره سوريا جينياً، ولو كان على رأسها القديس حنانيا، ومنهم من عاش، لخلفيات شتى، مرارة التجربة السورية في لبنان.

يبقى النوع الآخر الذي يشكل الأكثرية، وهذا يرتبط بالدول الغربية، كما  بالدول العربية التي تدار أميركياً. هنا كان الرهان على «صفقة القرن» التي تغيّر قواعد اللعبة في أرجاء المنطقة. اذ تؤدي الى تدجين سوريا، وتفكيكها دولاً اتنية، وطائفية، تحدث تغييراً في البنية الديموغرافية، كما في البنية الطائفية، والبنية الدستورية، للبنان الذي يفترض أن يدور، مثل سائر الدول العربية، حول الهيكل، وبرابرة الهيكل.

الصفقة سقطت كونها بنيت على الشعوذة الايديولوجية، والشعوذة الاستراتيجية. بعدما كانت ايفانكا، زوجة جاريد كوشنر، الحاخام الوسيم، تبلغ شخصياً الأصدقاء العرب بـ «أننا عند البوابة الأخيرة الى الدولة الابراهيمية الكبرى» التي تتوج بنيامين نتنياهو ملكاً عليها.

أركان السلطة كانوا يخافون من التسونامي الأميركي، ويمتنعون عن اثارة غضب البلدان العربية بعدما خبر بعضهم، وعلى الكرسي الكهربائي، ما يعنيه هذا الغضب.

ونحن في اقاصي الجحيم. ماذا فعلت أميركا لنا سوى أنها شاركت في تفجير الأزمة، وماذا فعلت لنا الدول العربية اياها سوى أنها وزعت السلال الرمضانية التي اذ تظهر مدى هشاشتنا، تعكس أيضاً مدى ازدرائها لنا ؟

في هذا النظام الهجين، ثمة من يتذرع، للقطيعة، بـ»ديكتاتورية الأسد» الذي كان يفترض أن يسلم مفاتيح دمشق اما الى السلطان العثماني، أو الى الأقدام الهمجية  الآتية من قاع الايديولوجيات، ومن قاع الأزمنة.

ديكتاتورية ؟ ليتنا دولة يحكمها ديكتاتور واحد، ورأس واحد، ومرجعية واحدة، كما لو أن العديد من أولياء أمرنا ليسوا رجال الأقبية، بل ورجال الكهوف. أكلة لحوم البشر الذي دفعوا بالبلاد الى ذروة الهلهلة. الهلهلة السياسية، والهلهلة الدستورية، ناهيك عن الهلهلة المالية، والهلهلة الاقتصادية، والهلهلة الاجتماعية.

سوريا هي بوابتنا الوحيدة. بيننا وبينها سلسلة من المشكلات التقنية التي لا يمكن أن تحل (وتريح قطاعات حيوية في اقتصادنا) الا بالتفاهم لا بالقطيعة التي نعيش تداعياتها الكارثية، الا اذا كنا لا نزال نراهن على أن يتسلم «الاخوان المسلمون»، ومشتقاتهم، السلطة في سوريا، ليبدأ العهد الذهبي في العلاقات بين البلدين.

ثمة قيادات لبنانية طالما عرفت بعدائها للسلطة في سوريا  تشعر أن المنطقة أمام تحولات كبرى، سواء تصاعد الدخان الأبيض من فيينا أم لم يتصاعد (الآن وقت المخاض الصعب). لا طريق أمامنا سوى الطريق الى دمشق. الطريق الآخر الى ... أورشليم!

الرسائل تصل تباعاً : هل تستقبلوننا ؟!