لا ندري ماذا تعني الادارة الأميركية حين تقول أنها تقدم المساعدات الى الجيش اللبناني ليكون القوة الوحيدة التي تتولى الدفاع عن البلاد...

بطبيعة الحال، لا نعترض على المساعدات من أي جهة أتت ما دامت الأوليغارشيا الحاكمة، ومنذ ظهور الجمهورية الأولى، تعاملت مع الدولة كونها مغارة علي بابا، بالمال السائب، وبثقافة المافيات حين ترتدي أقنعة الطوائف.

الأميركيون يعتبرون أن المؤسسة العسكرية هي الوحيدة المتبقية في دولة، على شاكلة القيمين عليها، في حالة موت سريري. لا تنسوا أننا، كرعايا، بتنا الأكياس البشرية المكدسة عند أبواب الجحيم. سؤالنا: ضد من يدافع الجيش اللبناني؟

من المنطقي، بل من المفروض، أن يكون هناك، لدى الأميركيين، تصور ما حول العدو الذي يهدد الأمن الاستراتيجي للبنان.

لا نعتقد أن هذا العدو «اسرائيل»، بالأرمادا الهائلة (بما في ذلك الأرمادا النووية)، والا كانت الولايات المتحدة زودتنا بمنظومة «باتريوت»أو «ثاد»، وبقاذفات «ف ـ 35». ربما بالغواصات التي تحمي شواطئنا، كما حقول الغاز التي لا تزال ضائعة حتى الآن ما دمنا نرفض نظرية فريدريك حول ضرورة التلازم بين التقاطع الجيولوجي والتقاطع الاستراتيجي بين لبنان و «اسرائيل».

لطالمنا رددنا أن «الطيران الاسرائيلي» كان يختال فوق لبنان منذ الخمسينات من القرن الفائت دون أن تحرك الدولة ساكناً، وعلى اساس نظرية بيار الجميل «قوة لبنان في ضعفه».

لم يكن هناك ياسر عرفات الذي وضع يده على الجنوب، قبل أن يلقي بالبندقية جانباً، وحتى بالحجارة، ويشهر غصن الزيتون في وجه اسحق رابين الذي تذكرون كم تباطأ ليمد يده الى رئيس منظمة التحرير في حديقة البيت الأبيض لدى الاحتفال بتوقيع اتفاق أوسلو الذي قضى، وباليد الفلسطينية، على ما تبقى من فلسطين.

لم يكن هناك أيضاً حزب الله الذي من لا يعلم كيف ظهر، ولماذا ظهر، على الأرض اللبنانية بعدما تبين، في ظل الغيبوبة العربية، أن الثنائي مناحيم بيغن ـ آرييل شارون يخطط لاقامة مستوطنات يهودية في الجنوب، تمهيداً للتهجير المنهجي، والتدريجي، للسكان.

الثنائي اياه حدد، أمام الملأ وأمام الأميركيين بوجه خاص، أن الهدف من عملية «الصنوبر»، أو «السلام للجليل»، تدمير الآلة العسكرية لمنظمة التحرير (كظاهرة فولكلورية في أدبيات التحرير). هذا ما حدث، ورحل عرفات بالباخرة مع مقاتليه. لماذا بقي «الجيش الاسرائيلي» على أرضنا 18 عاماً ليرحل بالعصا لا بالديبلوماسية؟

ماذا فعل الأميركيون للبنان طوال تلك السنوات، على الأقل لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425، سوى تكريس الاحتلال، ومحاولة فرض تسوية تجعل لبنان (الدولة ـ الفهرمانة) تحت الوصاية السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، للحاخامات؟

لا أحد يفهم ماذا تريد أميركا. ذهبت الى فيتنام ليعود عشرات الآلاف من جنودها بالتوابيت، لتتفاوض في نهاية المطاف مع الفيتكونغ، ثم تنسحب تحت جنح الظلام، تاركة حلفاءها تجرهم الكلاب، والدراجات النارية، في شوارع سايغون.

وذهبت الى أفغانستان لتبقى هناك 20 عاماً. أفواج من القتلى ومئات المليارات ذهبت أدراج الرياح. وها هي تفاوض، في الشكل، حركة «طالبان»، لتنسحب أيضاً، وتسلم مفاتيح كابول الى الملاّ هبة الله أخوندزاده.

لا نستــبعد، وقد بدأ الرحيل من الشرق الأدنى الى الشرق الأقصى، أن تعرض واشنطن التفاوض مع حزب الله كونه يشكل خطراً وجودياً على «اسرائيل». هذا اذا بقيت كـ»وديعة أميركية»، ولم ترحل مع آخر جندي أميركي.

الجــنرلات تعبوا من الحروب العبثية، الحروب الخاسرة. لا شك أن أميركا أمام تحولات (استراتيجية) كبرى. ولكن من قال ان الصراع مع الصــين بمثابة نزهة في الباسيفيك؟ جون كول، استاذ التاريخ في جامعة ميتــشيغان، سأل: متى يدق التــنين على بابنا؟!