اثنان وثلاثون عاما مضت على ولادته، كانت ولادة قيصرية شاقة ادمت العائلات اللبنانية لأكثر من خمسة عشر عاما حصدت مئة وخمسين الف شهيد ومئات الالاف من الجرحى والمعاقين في الجسد والنفس والفكر والروح.

بيروت دمّرت وعشعش فيها الحقد والكره والطائفية ولم نتعلّم. اقضية بأمها وابيها هجّرت ودمّرت قراها ولم نتعلّم. شوارع وأحياءعاثها الفساد والذل ولم نتعلّم. طوابير الخبز والدواء والبنزين ذلّت الشعب ولم نتعلّم. قتل وذبح وتهجير ودمار ما بعده دمار ولم نتعلّم. بالمختصر دُمّر البشر والحجر و«انقصف» العمر ولم نتعلّم. واخيرا تمخّض البحر فأنجب فأرا حسبناه مخلصا.

كبر هذا الفأر واصبح شابا وأردنا ان نفرح به، فنال شهادات جامعية من الداخل والخارج مواءمة مع اعرق الجامعات السياسية في المنطقة والعالم وحصل على براءة ذمّة سياسية من دول اقليمية صديقة وعدوّة.

كان ابواه الشرق والغرب

وكان عرّاباه اديان هذا البلد

والشهود كانوا امراء الحرب المنهزمين الذين اصبحوا فيما بعد بيّ وامّ الصبّي. «اللي ما جاب الاّ المسبّات لأهله».

المربيّة كانت اجنبية، متسلّطة مهيمنة، وصايتها كانت فاسدة مدمّرة جشعة استمدّت قوّتها من اهتراء الداخل ومن غطرسة وطمع الخارج.

نما الفأر وترعرع في مزرعة كانت مشروع دولة، فكان الفأر الشاب فاسدا مثل اهله ومربيه وراعيه.

ومنذ ذلك الوقت ونحن نعاني الامرّين ونعبر من ضفة ازمة الى اخرى ولم نتعلّم.

نختلف على الكبيرة والصغيرة وعلى جنس الآلهة ولم نتعلّم

نتباين ونتخاصم على تفسير مواده وعقده في كل شاردة وواردة ولم نتعلّم

نستعين بالخبراء لحلّ المعضلات الدستورية المتتالية ولم نتعلّم

نستجدي الخارج القريب والبعيد للمساعدة في تطبيقه وما فلحنا مرّة واحدة ولم نتعلم

عملنا على تدوير زواياه وتكبيره وتصغيره وأرنبته مرارا عديدة ولم ننجح ولم نتعلّم، ليس لأنه غير صالح فقط بل لأننا اصل البلاء فنحن نقيم في هذا البلد ولم نكن مرّة واحدة مواطنين!!

تبنّاه زعماء الدين الطائفيين وأمراء الحرب الوصوليين وجوعى المناصب، فوزّعوا الحصص على الرعايا والازلام وفشلوا في بناء الدولة ولم نتعلّم...

ما هذا المخلوق الغريب العجيب الذي نعيش تحت رحمته وهو ميت بل ولد ميتاً، وإن عاش على أوكسيجين الخارج فلعذابنا وقهرنا وتفقيرنا ولتدمير الوطن!

عند نشأته سيّر أمره ضباط أمن من الداخل والخارج وتعاملوا معه كأنه أسير حرب، فاغتنموه واغتصبوه حتى الثمالة وقهروا وطناً بأكمله ولم نتعلم

أما أمراء الحرب، فحدث ولا حرج، فقد فسقوا به وسبّوه وتمادوا في استغلاله حتى الرمق الاخير وعاثوا فيه فساداً لم يعرفه التاريخ المعاصر ولم نتعلم.

لقد انتهت صلاحيته،

بربكم، أعلنوا موته، حددوا تاريخ دفنه، فهو ميت وخارج الخدمة منذ زمن، فالشعب بأكمله غير متأسف عليه، لكنه سيتقبل العزاء، وإلا فالفقير سيزيد فقره والطامع سيزيد طمعه، والسارق ستزيد سرقاته، والمحتكر سيزيد جشعه وأنانيته، والطائفي سيزيد تقوقعه، والمسؤول الفاسد سيزيد استهزاؤه

أما المواطن الصالح فسيزيد ألمه واندهاشه مما يحصل من حوله، فهو يتألم بصمت مهيب ويعاني ألم نزاهته وعزة نفسه.

في الختام، يا أيها الشعب المظلوم انتفض وثُر واقلب الطاولة، فهذا النظام لم يقدم لنا إلا الذل والفقر ولم ينتج منه الا الفساد والمحاصصة وانهيار المؤسسات بل لم يعمل الا لتفريغ الوطن من موارده البشرية وثرواته العلمية.

أقدموا بالقوة على صنع التاريخ بأياديكم، البيضاء وعقولكم النيّرة من خلال دستور عصري مدني يحاكي هذه الازمنة الجديدة، ويواكب العصر المتقدم ويتماهى مع احلام وطموح شاباتنا وشبابنا، أقدموا على صنع مستقبل هذا الوطن قبل فوات الأوان!

أخيراً، يا ورثة هذا النظام استتروا وتواروا عن أنظار شعبكم الغاضب، اختبئوا من وجه فقير جائع واحتجبوا من دعوات عائلات متعثرة واندثروا في دهاليز هذا الزمن لأنه لا التاريخ ولا الله عز وجل سيرحمكم!