بين معراب وبيت الوسط، بات من الصعب جداً إستعادة مشهد الوحدة السياسية، لان الشعارات التي جمعتهما على مدى سنوات، تكاد تصبح في خبر كان، فالعلاقة محتاجة الى إعادة ترميم كبيرة بين رئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري، ورئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، كذلك الامر بالنسبة لعلاقة الرياض ببيت الوسط، التي لا تزال غير راضية عن الحريري، خصوصاً في مسألة تكليفه، من دون ان تعلن موقفها بل تتصرّف وكأنّ الامر لا يعنيها، في حين انها تضع «الفيتو» على تلك المسألة، وهذا «الفيتو» بدأ يشق طريقه في اتجاه بيت الوسط، منذ ان سار الحريري في التسوية الرئاسية في العام 2016. فيما تبقى طريق معراب معبّدة بالنسبة للرياض، التي بدورها بقيت راضية عن رئيس «القوات»، والعلاقة في احسن احوالها، خصوصاً مع السفير السعودي في لبنان وليد البخاري، الذي يجد دائماً طرق معراب قريبة جداً منه، بحسب مصادر مواكبة لتحرك البخاري، وأقرب بكثير من بيت الوسط ، الذي لم يزره البخاري منذ وقت بعيد، في حين كان الحريري السياسي المدلّل لدى الرياض، ليصبح مكانه رئيس حزب القوات ولا يزال، لانه بقي على مواقفه تجاه السعودية، ليصبح الصديق والاخ للمملكة كما يردّد البخاري دائماً.

الى ذلك عقد جعجع والبخاري مؤتمراً صحافياً في المقر العام ل «القوات» في معراب، وُصف المؤتمر بالسياسي، مع العلم انه كان اقتصادياً وحمل عنوان « لبنان - السعوديّة إعادة تصدير الأمل»، حيث جرى تبادل المقترحات والأفكار التي تعزز التعاون المشترك، والمساعي التي يقوم بها الحزب لإعادة تصدير المنتجات اللبنانية الى المملكة.

وكان البخاري قد شارك قبل ايام في بكركي، بالاحتفال بمئوية العلاقة بين البطريركية المارونية والمملكة العربية السعودية، وتمحورت الكلمات التي اُلقيت من قبل البطريرك الماروني بشارة الراعي والسفير البخاري، حول « لبنان مشروع السلام»، وكأنّ السفير السعودي اراد من خلال كلمته توجيه الرسائل الى البعض، وخصوصاً العهد والتيار الوطني الحر والرئيس المكلف، بأنّ بلاده تبحث دائماً عن علاقات مميزة مع الطرف الاخر، أي على مَن حافظ على خطاب وشعارات 14 آذار، والرسالة وصلت بالتأكيد، وفق ما رأت المصادر المواكبة لتحرّك البخاري.

فيما على خط «تيار المستقبل»، ووفق المعلومات فلم يهضم الكثيرون ما جرى في معراب، لانّ التيار الازرق الذي فهمَ الرسالة، ووجّه لها الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً من قبل المناصرين، رسم الصورة السياسية الحالية، في حين إلتزم مسؤولوه الصمت، لانّ عبارة « إعادة تصدير الامل» كانت ستكون من نصيبهم، بدل ان تتجه نحو «القوات» ، التي باتت المكان المفضّل لدى المملكة في لبنان ومنذ سنوات عديدة، لكن اليوم بدا المشهد ثقيلاً على بيت الوسط، بعد تلقيّه رسالة سعودية واكثر من ذلك بكثير، لانه تلقى ضربة ثنائية من حليفين سابقين في آن واحد، وسبق ذلك ضربة مماثلة من احتفال بكركي، اتت على يد السفارة السعودية، التي لم ترسل دعوة للرئيس المكلف لحضور الاحتفال، مما يعني ان الرئيس المكلف يتلقى الضربة تلو الاخرى من المقرّبين السابقين، كما طالته ايضاً سهام بضع كلمات من عظة البطريرك الراعي يوم الاحد، من خلال دعوته الى حسم قراره بين التأليف ‏والاعتذار، لان التكليف لا يعني تكليفاً أبدياً من دون تأليف، كما جاء في عظة الراعي، الامر الذي طرح سؤالاً حول بدء التباعد من الآن فصاعداً بين بكركي وبيت الوسط .

بعد هذه « اللطشات» السياسية التي اتت في محلها، كما اعتبرت مصادر سياسية مقربة من «القوات»، رأت بأن حلفاً سعودياً - مسيحياً بدأ يتظهّر بقوة ، مقابل الحلف الايراني القائم مع محور الممانعة، فيما الرئيس المكلف يقف منذ فترة في طريق مغايرة غير معروفة الاتجاهات، مقابل وقوف رئيس «القوات» في مكانه الثابت، حيث اصبح الحليف الاول للمملكة في لبنان، والزعيم المسيحي التي تثق فيه الرياض، اما ثقة الحريري معها فمحتاجة الى إعادة تأهيل من جديد...