تتسرب مقومات العيش الطبيعي من واقعنا شيئا فشيئاً، فقد عبث جنون الدولار بكلّ شيء، وشلّ عصب كلّ قطاعات الدولة تدريجياً، وليس آخرها قطاع المياه. هي أزمة جديدة تضاف إلى لائحة أزماتنا المتشّعبة، تتمثل في انقطاع وشحّ المياه في لبنان عامّة، وفي بيروت وضواحيها على وجه الخصوص.

على مستوى الأسباب، قدّر تقرير منظمة «اليونيسيف» أواخر الشهر المنصرم، أنّ معظم عمليات ضخ المياه ستتوقف تدريجياً في البلاد في غضون أربعة إلى ستة أسابيع، وأشار إلى أنّ كلفة المياه ستبلغ 200 % شهرياً في إحال انهيار نظام إمدادات المياه العام، وأعلن عن الحاجة لأربعين مليون دولار سنوياً لإبقاء منظومة المياه الحيوية تعمل في لبنان. فيما أشارت مصادر مطّلعة في وزارة الطاقة والمياه في لبنان الى أن تقرير «اليونيسيف» مبني على توقعات، وأنّ الأمر ليس مأسويّا لهذا الحد.

كلفة «نقلة المياه» الواحدة بين 50 و150 ألف ليرة ما يعادل 600 إلى 800 ألف ليرة شهرياً

النقص الحادّ في المياه يشتّد بالأخص في المناطق الشعبية، فهناك تصل المياه للمواطن، تارة عن طريق اشتراك الدولة، وتارة عبر اشتراك بئر خاصة أو خزانات مجهولة المصدر، واليوم نتيجة تعذّر وصولها بكميات كافية، يعمد المواطنون إلى شرائها من أصحاب الصهاريج، وبهذا يدفعون ثمن المياه مرات عديدة، الى الدولة والاشتراك الخاص وأصحاب الصهاريج، والأخيرة أكثرها ارتفاعا وقابلة للمزيد.

يختلف سعر «نقلة المياه» بحسب المنطقة وارتفاع المبنى، ونوع المياه ، إلا أنّه يتراوح إجمالا بين 50 و150 ألف ليرة، والمشكلة تتفاقم عند الأسر التي تستهلك كميات كبيرة إذ يمكن ان تصل فاتورتها الشهرية إلى 800 ألف ليرة. أماني (ربّة منزل وأم لأربعة أولاد) مضطرة إلى شراء «نقلة مَي» كل يومين أو ثلاثة بتكلفة 50 ألف ليرة، وتقول: «أسعار المواد الغذائية والكهرباء والمياه نار، رح نوصل ليوم ما نقدر نطعمي ولادنا».

سمير (موظف 28 عاما من سكان برج البراجنة)، قال ل «الديار» إن معاناته تبدأ مع فصل الصيف حيث تشحّ المياه التي تصل منزله، واليوم الوضع أكثر تأزما، ويتابع أنّه يدفع اشتراكا شهريا ثابتا قيمته 100 الف ليرة، ومشكلته الكبيرة أنّ راتبه لا يساعده على شراء المياه ما اضطره إلى تقنين استخدامها، وقضاء معظم وقته عند ذويه بسبب توافر المياه لديهم.

تشكّل أشهر الحرّ والجفاف، موسم عمل لأصحاب الصهاريج، إذ يزداد عموما طلب الناس على المياه. «أبو هادي» (صاحب صهريج مياه عذبة) يقول ل «الديار» إنّ «هناك طلبا متزايدا على المياه هذا العام أكثر من العام السابق»، موضحا أنّه «كان يشتري نقلة المياه سابقا بـ 8000 ويبيعها بـ 40 ألف ليرة، أمّا اليوم فيشتريها بـ 40 ألف ويبيعها بـ 150 ألف ليرة»، وعند سؤاله عن السبب يقول «إنّه ارتفاع الدولار»، ويتابع: «من كم يوم غيّرت دولاب كان يكلف قبلا 120 دولارا يعني 180 ألف ليرة، أما اليوم فكلّفني أكثر من مليونين ونصف، وكمان مضخة الماي بدها بنزين والسعر نار».

أمّا بلال صاحب «إشتراك المياه» كما يسمونه، فيبيع المياه للناس عبر تمديد قنوات صغيرة تحت الأرض، ويتقاضى رسم إشتراك شهري يبلغ 50 ألفا، يقول ل «الديار» إنّ المياه ليست من بئر خاصة، بل من مكان مخصص لتوزيع المياه لكلّ المنطقة، وإنّ ما يتقاضاه ليس ثمنا للمياه بل لتصليح وصيانة الخزانات، ما يطرح علامات استفهام حول مصدر المياه التي يبيعها للناس لا سيما أنّه لم يجب عند سؤاله عن ذلك.

زعاطيطي: الحل بمشروع بيروت الكبرى:

كميات إضافية من المياه الجديدة

غير معروفة قبلاً

تعاني بيروت الكبرى وسواها من المناطق اللبنانيّة من شحّ المياه في فصل الصيف رغم وفرتها في لبنان، بدليل تأمين أصحاب الصهاريج للمياه في عزّ الأزمة. الخبير في علوم المياه الجوفية الدكتور سمير زعاطيطي تحدّث ل»الديار» حول الأسباب والحلول مع العالم الهيدرولوجي ، الذي أرجع هذه المعاناة إلى السياسة المائية الخاطئة المرتكزة على حلّ السدود والتخزين السطحي، وأشار في معرض تعليقه على تقرير منظمة «اليونيسيف» الخاص بالمياه، إلى أنّ المطلوب منها مساعدة المحافظات والبلديات على حفر آبار وتأمين كهرباء.

رغم توافر الحلول، لا يتوقع زعاطيطي أن يرشح أيّ حل رسمي في ظل الأوضاع الحالية، وفي ظل وجود مافيات مياه ومازوت ومولدات وتهريب، ويرى أنّ الحل هو في « مشروع بيروت الكبرى» الذي يطرحه وملخصه تأمين مصادر مياه جوفية جديدة ومتجددة سنويا بمياه الأمطار، ويوضح بالأدلة العلمية وجود مناطق شرق العاصمة تعتبر بنيتها الجيولوجية وظروفها الهيدروجيولوجية مناسبة جدا لاستثمار المياه الجوفية العذبة، بكميات إضافية من المياه الجديدة ( غير معروفة قبلا) على مدار السنة والمساعدة في سد النقص الحاصل كل صيف في بيروت الكبرى.

واكد أنّ تأمين المياه يكون من خلال حفر آبار في المخازن الجوفية في المناطق المحدّدة بالمشروع، وأعطى مثالا مشابها، هو مشروع وادي «جيلو» في صور الذي يوفر المياه لنحو 90 قرية، وكذلك مشروع الآبار في صيدا وضواحيها منذ عام 1985 إلا أنّ المشكلة الوحيدة في هذا الحل هي في انقطاع التيار الكهربائي، لافتا كذلك إلى أنّ المياه الجوفية أوفر وأنقى ومتجددة.

ولكن ماذا عن كلفة المشروع وإمكانية تنفيذه في واقعنا الاقتصادي الهشّ اليوم؟ يجيب زعاطيطي إنّ ذلك ممكن بقليل من الأموال، من خلال حفر أربع إلى خمس آبار في المخازن الجوفية في كل من بسوس ووادي شحرور والدامور، مع تمديدات لإيصال المياه الى البيوت، منتقدا خيار السدود كونها عرضة للتلوث ومدمرة للبيئة، كما أنّ كلفة إنشائها وصيانتها وتنظيفها باهظة جدا، فسدّ شبروح حسب قوله كلّف 100 مليون دولار، فيما يمكننا بـ 100 ألف دولار حفر بئرين وإنتاج كمية مياه السد نفسها.

ويختم زعاطيطي مؤكدا أنّه لا يحلّ أزمة نقص المياه في لبنان عموما وفي بيروت الكبرى خصوصا، إلا المياه الجوفية، و»هذا ما قمنا به في الجنوب منذ 35 عاما». فيما التنفيذ العملي لمشروعه يكون من خلال تأسيس مصلحة مياه بيروت الكبرى من أشخاص مستقلين وخبراء أكفاء.

درغام: الحلّ الدائم لأزمة نقص المياه

بإنجاز سدّ بسري والمؤقت بإنجاز سدّ الأولي

أمّا عن العوامل التي أوصلت العاصمة وضواحيها إلى هذا النقص الحاد في أحد أهم مكونات الحياة، على الرغم من وفرة المياه الجوفية في لبنان، من وجهة نظر الجهات البلدية المعنية في تلك البقع الجغرافية، أشار رئيس اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية المهندس محمد درغام ل «الديار» الى أنّها تتمثّل بعدم وجود مصادر مياه ثابتة على مستوى المدن الكبرى، إضافة الى أسباب تتعلّق بمؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان التي تؤمن المياه فقط من خلال آبار أرتوازية في الدامور و المشرف و مارمخايل و الديشونية وغيرها، وهذا برأيه غير كاف، نظرا للتطور السكاني المهول في هذه المناطق.

وفي ما يخصّ سبب الكلفة المرتفعة لمياه الصهاريج،يقول درغام: لأنها تباع من خلال آبار ارتوازية كما في «كاليري سمعان» مثلا، حيث إنّ استخراج المياه من البئر يحتاج الى طاقة كهربائية ومولدات ومازوت وصيانة إضافة الى عملية النقل بالآليات ومن ثم الضخ الى المنازل، ما يكبّد المواطن اليوم وفق تعبيره تكلفة تتراوح بين 300 و 600 ألف ليرة وأكثر كبدل شهري للمياه.

وعمّا إذا كان الحل لهذه الأزمة الحيوية بالأخص في بيروت وضواحيها، يتحقق من خلال زيادة عدد الآبار الإرتوازية، يجيب أنّ المياه الجوفية هي مخزون استراتيجي للدول تستعمل عند الضرورة فقط، كما أنّ الاستعمال المسرف للآبار الجوفية قد يجعل مياهها مالحة وكبريتية كما يحصل اليوم في بيروت وضواحيها.

وبرأي درغام أنّ الحل هو في جمع المياه السطحية ومياه الامطار، بإعادة العمل لإنجاز سدّ بسري، الذي جمّد حسب تعبيره لأسباب سياسية، واصفا إيّاه بالسد الاستراتيجي على مستوى تأمين مصادر المياه لمدينة بيروت وقضاء بعبدا وجزء من عاليه والشوف، إذ يتسع لـ 125 مليون متر مكعب تحتاج منها بيروت وضواحيها مع الشوف وعاليه 93 مليون متر مكعب فقط، موضحا أنّ المشروع مطروح منذ العام 1959 من خلال المهندس إبراهيم عبد العال.

أمّا في ما يخصّ الحل المؤقت اليوم لحين إعادة العمل بالسدّ، يرى درغام أنّه في انجاز مشروع سدّ الأولي الذي تتوافر مصادره المالية لدى مجلس الإنماء والإعمار، على أن تؤمن مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان تمويل انجاز محطة الوردانية لتكرير المياه المستدرجة من الأولي، ما سيشكل مصدر مياه مهم لبيروت وضواحيها خلال سنتين إلا أنّه غير كاف وحده على حدّ تعبيره.

صحيح أنّ لبنان اليوم يعوم فوق صفيح ساخن من الأزمات السياسية والاقتصادية، لكنّه يعوم كذلك فوق ثروة مائية سطحية وجوفية، لتبقى العقدة التي تعرقل أيّ حل في أيّ ملف لبناني، هي غياب التوافق السياسي على مصلحة المواطن، عطفا على الفشل المتأصل في إدارة علمية لثروتنا المائية، التي يسلبنا إيّاها العدو جنوبا، وتسلبنا إياها مافيات المياه في باقي الوطن.

الأكثر قراءة

مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: اخطأنا بحق الاسد ودمشق