وأخيراً تصاعد الدخان الأبيض من قصر بعبدا ووُلدت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بعد شهر ونصف على تكليفه تشكيلها و14 لقاء جمعه مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وبعد 13 شهراً بالتمام والكمال على استقالة حكومة حسّان دياب، وتكليف سفير لبنان في ألمانيا مصطفى أديب، ومن ثمّ الرئيس الأسبق للحكومة سعد الحريري تشكيل الحكومة خلال هذه الفترة وفشلهما في هذا الأمر. ولم تأتِ الأسماء الوزارية التي ضمّتها الحكومة التي تألّفت من 24 وزيراً مفاجئة لأحد، سيما أنّه كان يجري التداول بها عبر وسائل الإعلام من خلال بعض التسريبات باستثناء اسم وزير الاقتصاد والتجارة الذي بقي العقدة الأخيرة أمام التشكيل، وقد رسا في نهاية المطاف على أمين سلام، فضلاً عن حقيبة الشؤون الإجتماعية التي أتت من نصيب هكتور حجّار. وجرى كذلك التوافق على إضافة اسم السفيرة نجلا رياشي بدلاً من زوجها السفير بطرس عساكر الذي كان مطروحاً للتوزير، والتي أُسندت اليها حقيبة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، واسم الدكتور جورج كلاس لوزارة التربية والرياضة، وجورج بوديكيان للصناعة، ووليد نصّار للسياحة. فيما بقية الأسماء الأخرى أتت، على ما كان متوقّعاً.

أوساط ديبلوماسية مواكبة لولادة الحكومة أكّدت أنّ الضغط الخارجي لا سيما من قبل فرنسا والولايات المتحدة الأميركية قد فعل فعله أخيراً في تسريع ولادة الحكومة، فضلاً عن تفاقم الوضع الإقتصادي والمالي والمعيشي المتردّي الذي وصلت اليه البلاد. فالولايات المتحدة التي فوجئت بخطوة حزب الله عن بدء تسيير البواخر المحمّلة بالوقود من إيران الى لبنان، وكلام الأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله عن أنّه سيُصبح مساراً الى حين انتهاء هذه الأزمة، وكانت ردّة فعلها عبر سفيرتها الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا تسريع اعتماد الخط العربي لاستجرار الطاقة من الأردن والغاز من مصر عبر سوريا الى لبنان، بعد رفع إبطها عن مفاعيل «قانون قيصر» الذي كانت تفرضه على سوريا وأثّر سلباً في لبنان خلال السنوات الماضية، ضغطت أيضاً لتشكيل الحكومة الجديدة. فقد كان أكثر ما تخشاه أن تنجح خطوة حزب الله في إغراق السوق اللبنانية بمادتي البنزين والمازوت، وأن يُواصل الحزب هذا المسار ليشمل احتياجات ضرورية أخرى، الأمر الذي قد يفكّ «الحصار» عن الشعب اللبناني من دون الحاجة الى مساعدة دول الخارج.

لهذا جرى تسريع تشكيل الحكومة لكي تُمسك زمام الأمور بيدها، على ما أضافت الاوساط، وتسعى الى إخراج لبنان من الانهيار الحاصل، ومن «جهنم» التي كان يتوقّع أن يشهدها مع قرار رفع الدعم الكُلِّي عن المحروقات والمواد الحيوية والحياتية، ولكي تعمل أيضاً على تأمين كلّ ما يحتاج اليه الشعب اللبناني من خلال تطبيق الإصلاحات المطلوبة وتنفيذ الخطّة الاقتصادية الإنقاذية لإعادة العجلة الاقتصادية الى دورتها الطبيعية. وهذا الأمر يدخل في باب تنافس أميركا مع إيران على مساعدة لبنان، وما يهمّ الشعب اللبناني هو إعادة بلده الى ما كان عليه لكي تتوقّف موجة الهجرة التي تضاعفت بنسبة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة وفقدان المواد والسلع الغذائية والأدوية من الأسواق بفعل التخزين والاحتكار من قبل بعض التجّار الجشعين.

ورأت الأوساط نفسها أنّ التوافق قد حصل بين فريقي النزاع على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب»، على ما يجب أن تكون عليه الأمور في لبنان على جميع الصعد. ولهذا تحدّث ميقاتي عن أنّ «لا ثلث معطَّل» في الحكومة، وأنّ كلّ من يريد التعطيل فليذهب الى بيته، سيما أن الوضع المتدهور في البلاد لم يعد يحتمل لا «التأجيل» ولا «التعطيل».

وذكرت الاوساط بأنّ العين إذاً من الداخل والخارج ستكون يوم الإثنين المقبل على الجلسة الأولى التي سيعقدها مجلس الوزراء في قصر بعبدا حيث سيلتقط الصورة التذكارية له وسيقوم باختيار اللجنة الوزارية المكلّفة صياغة البيان الوزاري. هذا البيان الوزاري الذي سيتضمّن خطّة الإنقاذ الاقتصادية التي أقرّتها المبادرة الفرنسية والتي هي كخارطة طريق لإخراج لبنان من الانهيار وتحقيق الإصلاحات المطلوبة.

وأشارت الاوساط الى أنّ المهم اليوم وبعد ولادة الحكومة انعكاس هذا الأمر بشكل إيجابي على انخفاض سعر صرف الدولار في السوق السوداء من نحو 19 ألفاً الى 15 الف ليرة لبنانية. فهذا الهبوط الكبير عقب إعلان مراسيم تشكيل الحكومة الجديدة إنّما يؤشّر الى حاجة اللبنانيين الى حكومة فاعلة قادرة على تحسين الوضع الاقتصادي سريعاً بالتعاون والتنسيق مع دول الخارج لا سيما الدول المانحة منها، وعلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإعادة الوضع الاقتصادي تدريجاً الى ما كان عليه، على الأقلّ، قبل السنة الأخيرة من العهد.

ولفتت الاوساط الى أنّ تشكيل الحكومة لاقى الصدى الإيجابي لدى دول الخارج كونها تريد استعادة الثقة بلبنان سريعاً من خلال الخطوات العملية التي ستتخذها الحكومة الجديدة، كما تأمل في أن يستعيد اللبنانيون هذه الثقة بالطبقة السياسية الحاكمة، وأن يُعبّروا عن رأيهم في صناديق الإقتراع ويختاروا ممثّليهم الفعليين في الانتخابات النيابية التي تُطالب الحكومة الحالية بأن تجري في موعدها أي في 8 ايّار من العام المقبل (2022). فالمجلس النيابي الجديد من شأنه انتخاب الرئيس الجديد للبلاد، ولهذا تشدّد على أن تكون نزيهة وعادلة وشفّافة.

وبرأي الاوساط، إنّ حكومة ميقاتي التي أتت بعد شهر ونصف من المفاوضات والاتصالات والمشاورات الداخلية والخارجية تمتلك ما تحتاج اليه من ضمانات خارجية وداخلية للبدء بوضع البلاد على سكّة الإنقاذ، واشارت الى أنّها لن تكون فقط «حكومة إنتخابات»، بل حكومة إنقاذية بالدرجة الأولى، ومن ثمّ تعمل على مواكبة الإنتخابات في لبنان ودول الخارج، بحسب المواعيد المحدّدة لها في نيسان المقبل وفقاً للقانون الانتخابي. ولفتت الى أنّه عليه أن تُقرّر في وقت لاحق، وفق أي قانون انتخابي ستُجري الانتخابات، وإذا ما كانت ستعتمد القانون الحالي أم ستقوم ببعض التعديلات عليه، إذا ما كان الوقت يسمح لها بذلك.