لم يصدّق احد بأنّ التشكيلة الحكومية ستعلن يوم الجمعة، بعد تكرار خبر ولادتها مراراً، من دون ان يتحقق شيء على ارض الواقع، إلا حين شاهد اللبنانيون الرئيس المكلف يخرج مبتسماً ، من لقائه مع رئيس الجمهورية، في ظل حشد واسع من الاعلاميّين، ونشاط غير مسبوق من قبل موظفي القصر الرئاسي، الذين كانوا ينتشرون في اروقته وخارجه، كما انّ مجيء رئيس مجلس النواب نبيه بري الى بعبدا، اكد ولادة تلك الحكومة المنتظرة بفارغ الصبر، والتي ظهرت الى الحياة بعد 14 جولة من التناحر الداخلي، ضمن جدران بعبدا بين عون وميقاتي، وثالثهما رئيس « التيار الوطني الحر» جبران باسيل، الذي كان قريباً جداً من غرفة المشاورات والمحادثات الحكومية، وكان يطّلع على كل شاردة وواردة ، ويعمل على تغيّيرها وإستبدالها في اللحظات الاخيرة، الى ان خرج الدخان الابيض الدولي والعربي يوم الجمعة، على وقع طوابير البنزين المصطفة في كل المناطق اللبنانية، وغياب الكهرباء والمياه والادوية والاستشفاء والطبابة والى ما هنالك... مما يعني انّ الرئيس ميقاتي آت في مهمة شاقة جداً، برزت ملامحها حين تحدث الى الصحافيين دامع العينين على البلد، والدرك الذي وصل اليه من جرّاء ما يجري من كوارث يومية وانهيارات.

وسط هذه المشاهد الايجابية والسلبية في آن واحد، وعلى الرغم من الخلافات التي رافقت التشكيلة والبيانات النارية المتبادلة، والتي لم ينفع معها سوى التدّخل الخارجي كالعادة، برزت الضغوطات على مستوى واسع، لتشمل وساطة مصر عبر رئيس جهاز المخابرات المصرية عباس كامل، ومحادثاته مع رئيس الحكومة المكلف والنائب باسيل، والمعاون السياسي للامين العام لحزب الله حسين خليل، كما انّ ضغطاً فرنسياً استمر ليل الخميس للوصول الى حل ، لانّ القرار كان متخذاً بضرورة إعلان الحكومة يوم الجمعة، وافيد نقلاً عن ديبلوماسي عربي ، بأنّ عباس كامل تكفل بتأمين مساعدات عربية للبنان، خصوصاً من قبل بلاده والسعودية، التي لم تعلن بعد موقفها الرسمي من حكومة ميقاتي، لكن المقرّبين منها اكدوا بأنها رأت في الحكومة الميقاتية صورة عن محور الممانعة.

مع الاشارة الى انّ التشكيلة حظيت بالرضى الاميركي والايراني، وفق الديبلوماسي العربي الذي ألمح ايضاً الى ان روسيا وقطر دخلتا على الخط ، عبر اتصالات مع بعض الافرقاء اللبنانيين لحثهم على الاسراع بالحكومة، لانّ الجميع لا يملك ترف الوقت، في ظل المخاوف من إزالة لبنان عن الخارطة الدولية، وفي المقابل طلبت هذه الدول بأن تقوم الحكومة الميقاتية بعملها الفعلي والجديّ، كي تحصل على المساعدات وفق الشروط والالتزامات.

وفي هذا الاطار وإنطلاقاً من وعود هذه الدول، عادت الانظار الى مؤتمر «سيدر» الذي انعقد في نيسان 2018 في باريس، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بهدف جمع أموال لتعزيز الاقتصاد اللبناني المنهار، وقد تمكّن المؤتمر من جمع قروض وهبات بقيمة أكثر من 11 مليار دولار لمساعدة لبنان. لكن وبسبب الخلافات والتناحرات السياسية، وإستقالة حكومة الرئيس حسان دياب، وتعطيل جهود تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري، تعذّر على لبنان تنفيذ الإلتزامات التي تعهّد بها أمام المانحين، ومن ضمنها تحقيق الإصلاحات المالية والإدارية المطلوبة، و250 مشروعاً وعدت بتنفيذه، من دون ان يتحقق شيء.

في غضون ذلك، إعتبرت تلك الخطوات حينها ضمانة، لنموّ الاقتصاد وتقليص العجز، وتأمين الاستقرار المهدّد جراء الأزمات التي يعيشها لبنان على الصعد كافة. وجرى الاتفاق على خطط استثمار في قطاعات أساسية منها، الكهرباء والمياه والبنى التحتية والبيئة والتعليم وغيرها من القطاعات. لكن التأخير في البدء بتلك الخطوات الاصلاحية المطلوبة من «سيدر»، أنتج المخاطر من إمكانية إلغاء تلك المساعدات، بحسب ما أكد الخبراء الاقتصاديون حينها، لان المطلوب وضع القوانين التابعة له موضع التنفيذ، من اجل إقناع المجتمع الدولي بجدّية ونيّات الحكومة اللبنانية، إجراء الإصلاحات التي وُعدت بها، أي خطة عمل تحوي المصداقية المطلقة، وإلا ستضيع الاموال.

ومع دخول فرنسا بقوة على خط التشكيلة، واهتمامها اللافت قبل فترة من خلال مبادرتها، فالامل بإعادة ظهور تلك الاموال يحوي نسبة مقبولة اليوم، يقابله تشديد متكرّر من قبل السفير بيار دوكان، المكلّف تنفيذ مقررات «سيدر»، على ضرورة قيام الحكومة اللبنانية بالإصلاحات، وتنفيذ المشاريع ، مع دعوته الى ان يحمل البيان الوزاري عنواناً بارزاً هو « الاسراع في العمل»، وفق تأكيد مصدر اقتصادي لـ « الديار» بأنّ المراقبة الفرنسية ستكون شديدة جداً، حول كيفية صرف الاموال من قبل المسوؤلين المعنيّين.

ورأى بأنّ ما يهّم باريس اليوم، هو إنطلاق الحكومة نحو العمل والالتزام ، لافتاً الى ما قاله قبل فترة السفير دوكان «بأنّ اموال المؤتمر لن توزع مجاناً «، وهذا يعني رسالة واضحة، على الحكومة ان تفهمها جيداً، كي لا تكون على شاكلة سابقاتها.

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء