خريف بودابست مميز هذه السنة، فقد نجح رئيس الوزراء المجري اليميني فيكتور أوربان في استضافة المؤتمر الإفخارستي الدولي الذي اختتم أعماله برئاسة البابا فرنسيس في الثالث عشر من أيلول وحضره كبار رجال الدين الكاثوليك حول العالم، بينهم الكاردينال بشارة بطرس الراعي بطريرك أناطاكيا وسائر المشرق للموارنة، وبطريرك الملكيين الكاثوليك يوسف العبسي. وبعيداً عن المعاني الروحية للمؤتمر، سجّلت مشاركة لافتة للبطريرك المسكوني الأثوذكسي بطريرك القسطنطينية بارتلماوس وإلقائه كلمة في ختام المؤتمر، في ظل عدم دعوة سائر البطاركة الأرثوذكس ومنهم بطريرك انطاكية وسائر المشرق يوحنا يازجي.

وفي هذا التفصيل إشارة لافتة إلى اعتبار الكنيسة الكاثوليكية البطريرك المسكوني ممثلاً للكنائس الأرثوذكسية في العالم، في حين يجعله القانون الكنسي الأرثوذكسي أولاً بين متساوين في عداد بطاركة الكنائس الأرثوذكسية التي تتمتع كل واحدة منها باستقلالية. وتأتي هذه الإشارة في ظل الخلاف بين الكنائس الأرثوذكسية حول محاولات بطريرك القسطنطينية إظهار نفسه زعيماً روحياً للأرثوذكس حول العالم ومباركة الانشقاقات في البطريركيات التي تخالفه، وأبرزها في أوكرانيا ومونتينيغرو.

ولعلّ زيارة بطريرك القسطنطينية لكييف عاصمة أوكرانيا برفقة وفد كنسي يوناني من الجبل المقدس في آثوس في نهاية آب المنصرم، ولقائه المتروبوليت إبيفانيوس رأس الكنيسة الأوكرانية التي أعلنت استقلالها عن بطريركية موسكو وعموم الروسيا خلافاً للقانون الكنسي الأرثوذكسي، كانت التعبير الوضح والأحدث لحركته المتواصلة منذ مؤتمر كريت في اليونان قبل خمسة أعوام، والذي طرح فيه إنشاء مجلس أعلى للبطريركيات والكنائس المستقلة الأرثوذكسية يكون برئاسته، بما يخالف مبدأ استقلالية البطريركيات الأرثوذكسية التاريخية.

تزامناً، كانت الكنائس الأرثوذكسية المحلية في مونتينيغرو تحتفل بتنصيب المتروبوليت يوانيكيوس رئيساً لمطرانية الجبل الأسود التابعة للكرسي البطريركي الصربي، وسط تظاهرات دامية حرّكها رئيس مونتينيغرو ميلو دوكانوفيتش الذي يدعم استقلال «الكنيسة الأرثوذكسية في الجبل الأسود»، يقابله احتفاء كل من كنائس أورشليم وروسيا، وبلغاريا، وألبانيا، وبولندا، والتشيك والسلوفاك بهذا التنصيب.

في ظل هذا الواقع، تعتصم بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس بالصمت وبالحياد مما يجري، فهي وإن أعلنت سابقاً رفضها للإنشقاق الأوكراني ولتوجهات البطريرك المسكوني المخالفة للقانون الكنسي، لم تبعث بممثل لها إلى تنصب المتروبوليت يوانيكيوس كما رفضت المشاركة سابقاً في مؤتمر عمّان الذي عُقد في شباط ٢٠٢٠ بدعوة من بطريرك أورشليم ثيوفيلوس الثالث وشاركت فيه كنائس روسيا وصربيا والتشيك والسلوفاك ورومانيا، عازية السبب إلى «تلافي ما يزيد التباعد وما يعمّق الشرخ بين الإخوة». في حين أن مؤتمر عمّان المذكور عُقد في ظل استمرار الخلاف بين أنطاكية وأوشليم حول ما يعرف بـ «المسألة القطرية»، وهي ضم أورشليم قطر إلى نطاقها، بينما هي تابعة جغرافياً للكرسي الأنطاكي.

وسط كل هذه الديناميات، ينعقد الشهر المقبل المجمع المقدّس لبطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس في مشاركة مطارنة لبنان وسوريا والإغتراب، فهل تطرح المواضيع الإشكالية الآنفة الذكر على طاولة البحث، أم ينحصر جدول أعمال المجمع بالأمور الروحية والمحليّة؟ وهل يتغيّر الموقف الحيادي الأنطاكي مما يجري بين الكنائس الأرثوذكسية إلى الإيجابية بمعنى اجتراح جهد ديبلوماسي ناشط لتقريب وجهات النظر انطلاقاً من القانون الكنسي؟ وهل يبدي المجمع المقدس استعداده لتلقّف أي وساطة لحل «المسألة القطرية»، بما يعيد مبادرة التوسّط في الخلافات بين البطريركيات إلى أنطاكية وهي الأقرب إلى لعب هذا الدور كونها لم تنغمس في الخلافات وهي آتية من تجربة تاريخية في العمل المسكوني نظراً للتعددية المذهبية المتوازنة في نطاق المشرق؟