لكأنها واترلو الأخرى تهز فرنسا. «لسنا العشيقة لا في مخدع جو بايدن، ولا في مخدع جورج واشنطن». تذكير بأن انزال النورماندي  كان كرد جميل للفرقة الفرنسية  بقيادة لافاييت، والتي قاتلت الى جانب الأميركيين ضد الاحتلال الإنكليزي. ثم «لماذا طعنة الظهر، الواحدة ضد الأخرى، في ظهرنا»؟

ما أثار العاصفة الفرنسية الاعلان عن اقامة قوس استراتيجي بين الولايات المتحدة وبريطانيا واوستراليا في المحيط الهندي، كما في المحيط الهادئ، على وقع التوقعات باندلاع الصراع مع الصين.

المشكلة ليست فقط في أن البيت الأبيض لم يبادر، على الأقل، الى وضع الاليزيه في الصورة، وكما تقتضي ذلك الشراكة في الأطلسي، وكذلك الشراكة في التاريخ، أو في بعض التاريخ، وانما في الغاء كانبيرا صفقة الـ 40 مليار دولار (وقد تصل قيمتها الى نحو 50 مليار دولار) مع باريس لتحويل الغواصات الاوسترالية الى الطاقة النووية، ونقل الصفقة الى واشنطن.

الفرنسيون الذين يعانون من التعثر الاقتصادي، ان بسبب تداعيات الكورونا على السوق الدولية، أو بسبب فوضى المنافسة بين الأسواق، كانوا قد رأوا في الصفقة فرصة القرن.

يلاحظون أن هذه ليست المرة الأولى التي ترتكب فيها الولايات المتحدة مثل تلك «الخيانة الزوجية». أكثر من واقعة حدثت ابان ولاية دونالد ترامب وحملت «اللوموند» على التساؤل «ما اذا كان الرئيس الأميركي يريدنا القردة التي تتسلق أسوار البيت الأبيض» ؟ وها هو جو بايدن يكرر الخيانة نفسها، «كما لو أن الخيانة نسق فلسفي لدى صانعي السياسات في أميركا» !

بطبيعة الحال، لا تريد فرنسا تقويض علاقاتها مع الولايات المتحدة. حساسية المسألة كانت تستدعي موقفاً من ايمانويل ماكرون. الرئيس الفرنسي عهد بذلك الى وزير خارجيته جان ـ ايف لودريان الذي أعرب عن شعور بلاده بـ»الخيانة والغضب والمرارة». وصف ما حدث بـ «الطعنة في الظهر» بالرغم من كونها «طعنة في القلب» .

ماكرون، الآتي من مؤسسة روتشيلد، وحيث القراءة الدقيقة للاحتمالات (ولطالما صنعت الاحتمالات)، يدرك ما يمكن أن تفعل به واشنطن عشية الانتخابات الرئاسية ...

هي التي أزاحت شارل ديغول، بصليب اللورين، عن العرش البونابرتي، وهي التي حاصرت الاليزيه بالأسلاك الشائكة حين أعلن فرنسوا ميتران اعتزامه انتهاج سياسة مستقلة حيال الشرق الأوسط .

دونالد ترامب مازح نظيره الفرنسي حين دعا الى انشاء جيش أوروبي منفصل عن الأطلسي (وهذه هي نظرية ديغول أساساً). قال «لكن ساقي بريجيت باردو لم تعودا صالحتين لقيادة هذا الجيش»، تاركاً لأصدقائه في قناة «فوكس نيوز» أن يعلّقوا بطريقة لا تقل فظاظة»... نتصور أن كوكو شانيل ستتولى تصميم سراويل الجنرالات».

هل من تداعيات لتلك الظلال الرمادية على الأرض اللبنانية، في الشراكة الديبلوماسية الأميركية ـ الفرنسية، وعلى الأرض السورية حيث الشراكة العسكرية ؟

التعليقات في بعض الصحف الفرنسية وصلت الى حد الدعوة الى «الثورة الأوروبية ضد الاحتلال الأميركي». واذ اعتبرت أن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي مبرمج أميركياً لتفكيك الاتحاد، غمزت من قناة بوريس جونسون بالقول «مشكلتنا في فرنسا أننا لا نستطيع أن نكون القهرمانة بين يدي السيد الأميركي» .

لا شك أن الدفع الأميركي هو الذي أدى، أو ساهم، في تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بعد ذلك الدوران العبثي حول المبادرة الفرنسية التي اسقطها مايك بومبيو، منذ الأسبوع الأول، بالضربة القاضية حين شن هجومه العاصف على حزب الله في اشارة اعتراضية على لقاء ماكرون بالنائب محمد رعد في قصر الصنوبر.

في سوريا، فرنسا ليست سوى ظل باهت لأميركا. الحساسية الفرنسية حيال السوريين منذ ايام الانتداب، كما أن هناك تقليداً في الاليزيه بتبني القضية الكردية التي زج بها قادتها في أسواق الغباء .

صدمة في فرنسا. حين يسأل أوبير فيدرين «لماذا تريد أميركا خنقنا»؟

ما العمل حين يكون للقارة اله آخر، الاله الأميركي؟!! 

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء