يتزامن بدء العام الدراسي الحالي مع رفع الدعم عن المحروقات، والتلازم بين الحدثين بلغ حدّا كبيرا، فبعض المدارس تؤجل إبلاغ الأهل بحجم الزيادة على الأقساط وبدل النقل بانتظار رفع الدعم، ودراسة حجم تأثيره في مصاريف العام الدراسي بمجملها...

في المقابل، حسمت مدراس كثيرة أمرها بالزيادة، وحددت بدل النقل، لترسم أرقاما مرعبة، كمدرسة روضة الفيحاء في طرابلس التي عمّمت على الأهالي أن النقل المدرسي السنوي هذا العام سيبلغ 6 ملايين و500 ألف ليرة داخل طرابلس، أما خارجها فسيبلغ 8 ملايين و250 ألف ليرة، على أن يبلّغ الأهل لاحقا نسبة الزيادة على الأقساط في حين تحدثّت تسريبات بعض الأساتذة عن زيادة بنسبة%60.

المدراس التي أبلغت الأهل أنّها ستزيد أقساطها، ولم تحسم نسبة الزيادة حتى يتبين لها الخيط الأبيض من الأسود، ألزمت الأهل تسجيل أبنائهم، ولن يعود أمامهم لاحقا إلا الرضوخ للزيادات، وحتى إن كانت نيات المدارس حسنة، لعدم رغبتها بفرض زيادة عشوائية مراعاة لظروف الأهل، فلماذا حسمت تسعيرة النقل والكتب والزيّ المدرسي مبكرا؟

طلبت من ولديها التوأم

أن يتشاركا الكتب هذا العام

نها (أم لولدين توأم في الصف الأول ثانوي في مدرسة خاصة في عبرين- طرابلس) تقول لـ»الديار» إنّ أول هاجس لديها هو الأقساط، وأنّها سجلت أولادها هذا العام وأبلغتها إدارة المدرسة أن هناك زيادة على الاقساط ستعلن في شهر 12، لافتة إلى أنّ كلّ الأهالي اليوم ليسوا قادرين على تحمّل أيّ زيادة، وعند سؤالها عن مدى اطلاعهم على ميزانية المدرسة لفتت الى أن لجنة الأهل تطلع عليها و»ما حدا بيطلعنا على شي».

نها أشارت الى أنّ أسعار القرطاسية خيالية هذا العام، ولم تشتر أيّ شيء منها حتى الآن، فيما أسعار الكتب جنونية على حد وصفها، إذ يبلغ سعر كتب الأول ثانوي 2 مليون، فيما راتب زوجها يبلغ مليون و800 ألف ليرة، فقررت أن تشتري كتبا مستعملة لولديها بسعر مليون ليرة، موضحة أنّها أقنعتهما أن يتشاركا الكتب لعدم قدرتها على شراء نسختين منها، وأوضحت أنّ ما يقلقها كثيرا هو النقل وتأمين البنزين، لإيصال أولادها الى المدرسة، لافتة الى أنّه أمر لم يفكر فيه أحد، وختمت: «رغم هيك عم حاول قدر المستطاع تابع لاولادي تعليمهم».

المدرسة ألغت النقل المدرسي

أمّا سوسن (أم لأربعة أولاد في مدرسة خاصة في بيروت) فأخبرت « الديار» أنّ المدرسة لم تبلغها حجم الزيادة على القسط، إلا أنّها قامت بتغيير عدد من الكتب هذا العام، وتبريرها أنّ دار النشر هي التي فرضت ذلك وليس المدرسة، وأضافت:» أنا عندي 4 اولاد وبكل لائحة كتب مغيّرين بين كتابين و3 كتب، وكلهم طبعات جديدة»، وسألت:» طيب شو بيعمل الواحد بهالحالة وأسعار الكتب مرتفعة جدا، وليش طالما هالسنة إستثنائية ما بتستخدم المدراس الخاصة الكتب الرسمية الصادرة عن الدولة؟».

وعن موضوع النقل، قالت انّ المدرسة ألقت الموضوع على عاتق الأهل، وتساءلت:» ماذا لو لم نستطع تأمين البنزين لأي سبب كان، فهل سيتغيب أولادنا عن المدرسة!»، واعتبرت أنّ المدرسة تخفف عن نفسها تكاليف وتضعها على عاتق الأهل، متسائلة كم سيتحمّل الأهل من مصاريف كالقرطاسية والزي المدرسي والكتب والبنزين، « وقالت: « طالما ألغت المدرسة مصاريف كثيرة كانت على عاتقها ليش بدهم يدفعوا الأهل زيادة أقساط ؟».

المدرسة أقفلت أبوابها

محمد (موظف وأب لولدين، وراتبه بالليرة اللبنانية لا يتجاوز المليونين ونصف)، يقول لـ»الديار» إنّه بصدد نقل أولاده من مدرستهم، وإنّه يفتش حاليا عن مدرسة أخرى، وعن السبب يقول محمد إن المدرسة أقفلت فرعها في منطقتهم لأنّها لا تريد زيادة أقساط التلامذة فلا قدرة للأهالي على ذلك، كما أنّها في منطقة بعيدة نسبيا عن المناطق السكنية ما يستدعي زيادة في تكلفة نقل الطلاب. أضاف محمد أنه حتى لو لم تقفل المدرسة أبوابها فإنه لن يبقيهم فيها نظرا للمسافة البعيدة التي ستزيد عليه كلفة النقل.

لجان الأهل ترفض أي زيادة

في إطار عملها، تسعى «لجان الأهل» بالتعاون مع إدارات المدارس الى التخفيف من أعباء العام الدراسي، إلا أنّها لا تستطيع عمليا أن تغيّر جذريا في قرارات المدارس، فمثلا لم تلزم إحدى المدراس الخاصة في الضاحية الجنوبية هذا العام الأهل شراء زي مدرسي جديد، وتساهلت في إعطائهم خيار ارتداء اللونين الكحلي أو الرمادي، فيما لم تستجب بالمقابل لمطلب الأهالي بإلغاء رسوم التسجيل هذا العام، وبرّرت ذلك بأنّ برنامج «مايكروسوفت تيم» سيبقى ، وأن هناك مصاريف تترتب على ذلك!

منسق «لجان الاهل وأولياء الأمور» في المدارس الخاصة قحطان ماضي أشار لـ «الديار» الى أن وضع الأهل الإقتصادي اليوم مزر جدا، وأصبحوا عاجزين عن تأمين لقمة عيشهم، ورأى أنّ مطالبة المعلمين بالزيادة أمر محق، إنّما السؤال الأهم هو: من سيدفع الزيادة؟ وأشار الى أنّ المموّل الوحيد هم الأهل، وفي حال لم يدفعوا الأقساط لن تفتح المدارس أبوابها ويقبض الأساتذة رواتبهم، لذا فالأهل هم أصحاب القرار بهذا الموضوع.

المعيار المعتمد لتحديد الأقساط المدرسية في المدارس الخاصة هو القانون 515، والذي ينظم وضع الموازنة المدرسية، وفي هذا الشأن أوضح ماضي أن لجان الأهل ترفض أي زيادة غير قانونية على الأقساط، لافتا الى مخالفات رهيبة للقانون 515 الذي يمنع في بنده العاشر أي زيادة من دون موافقة لجنة الأهل وتقديم قطع حساب عن العام السابق، فيما تعمد المدارس الى تسليم الأهل 3 أوراق فقط على أنّ الموزانة تتضمن 65% معاشات وصندوق تعويضات وبدل نقل ومكافآت و35% مصاريف تشغيلية وصفها بالمضخمة والتنفيعية للمدارس، مشددا على أنّ المطلوب هو التدقيق والشفافية بكل بند في الموزانة.

أما بالنسبة لأسعار الكتب والقرطاسية، فلفت الى أنّه يجب على الدولة أن توحّد الكتاب المدرسي بين الرسمي والخاص، وإعادة النظر بالكتب المستوردة وإيجاد البديل عنها، وأن يتوقف الزي المدرسي هذا العام، حيث وصل سعره في احدى المدراس بين شتوي وصيفي الى 8 مليون ليرة ، ودعا للتخفيف من القرطاسية التي تفرضها المدارس على الأهل، في حين أنها ليست موجودة بالقانون 515، واصفا إيّاها بـ»الخوّة».

دور الوزارة مفقود

ومصلحة التعليم الخاص غائبة

وفي معرض حديثه عن المطلوب لمنع الغش في الموازنات المدرسية، دعا ماضي إلى إطلاق العمل بموازنة طوارىء تقشفية وشفافة لأربع أو خمس سنوات قادمة برعاية وزارة التربية، والى فتح الموزانات بالكامل، لافتا الى أن دور الوزارة مفقود، وأنّ مصلحة التعليم الخاص غائبة، وهناك شواهد كثيرة على ذلك، حيث قُدمت موازنات سابقة من دون توقيع لجان الأهل أو بتواقيع من سنة سابقة أو فرع ثان، أو لم ينظر فيها رغم الاعتراض عليها أو أنّ أرقامها فاضحة وتم إخفاؤها، مشيرا الى أن المصلحة هي المخولة بالتدقيق والتفتيش، وإن لم ترغب، فلتحل الموضوع الى المجالس التحكيمية المغيبة كذلك، واضعا الأمل بوزير التربية الجديد ومتمنيا أن يتواصل مع الأهل وليس فقط مع المدارس والمنتفعين منها في الوزارة.

أمّا كيف ستواجه لجان الأهل الزيادة على الأقساط هذا العام؟ فيجيب ماضي أنّ القانون يمنع نهائيا فرض أي زيادة بدون دراسة للجنة الأهل، وسأل: على أي أساس يفرضون زيادة قبل أن تبدأ المدرسة؟ وقال إن أي زيادة ستواجه، وفي حال مُررت فهذا يعني أنّ هناك تغطية من قبل مصلحة التعليم الخاص والوزارة ومخالفة للقانون 515، واستغرب من ناحية اخرى مطالبة المدارس الخاصة بالإفراج عن أموالها في المصارف فيما هي مؤسسات غير ربحية، ما يعني برأيه أنّ هناك أموالا غير شرعية وطائلة ومتراكمة لم تعد للأهل وطلب التحقيق في الموضوع.

كما دعا ماضي وزير التربية الجديد لإصدار قرار بمنع الزيادة إلا بعد دراسة الموازنات من قبل 4 أعضاء 2 من لجنة الأهل و2 من الإدارة، وطلب منه الدخول لما وصفه ماضي بـ»مغارة الموازنات» معتبرا أنّها لا بدّ أن تفضح وتعمم للاعلام، ولفت الى أن لدى اتحاد لجان الأهل اثباتات كثيرة للتضخيم والنهب في الموازنات المدرسية، ولكن للاسف لا أحد يدقق فيها، وطالب بإعطاء دور للاتحاد لوضع موازنة طارئة وواقعية مع الوزارة وإدارات المدارس.

لا شكّ أنّ الواقع الاقتصادي الحالي يفرض نفسه بقوة على الفاتورة المدرسية هذا العام، ولتمرير العام الدراسي بنجاح وأمان، لا بدّ من مداورة المسؤولية بين الدولة والمدارس والأهل، فعلى الأولى أن تراقب وتعيّن مجالس تحكيمية، وعلى الثانية أن تنظّم موازنات شفافة، أمّا الأهل فهم الطرف الأضعف الواقع بين سندان الأقساط ومستلزماتها ومطرقة المعيشة وتحدّياتها وتقصير الطرفين الآخرين في عملية التربية والتعليم، وكان الله بالعون!

الأكثر قراءة

مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: اخطأنا بحق الاسد ودمشق