يبدو أنّ «الترقيع» لا يزال سيّد الموقف في عمل الحكومة الجديدة، إذ ليس من خطّة شاملة ومتكاملة يتمّ العمل عليها في مختلف القطاعات تؤدّي الى حلول جذرية، وإلاّ لكان المواطن بدأ يحصل على متطلّباته اليومية من الكهرباء والغاز والمحروقات والغذاء والدواء من دون كلفة مرتفعة وغير مسبوقة، والتي لم يعد قادراً على تسديدها مع انهيار القيمة الشرائية لليرة اللبنانية التي يقبض راتبه على أساسها، والأسوأ من ذلك فقدان الكثير من المواد الحياتية والحيوية في كثير من الأحيان رغم الإرتفاع الجنوني لثمنها. وعملية «الترقيع» هذه التي لا يُمكن أن تحلّ أي من مشاكل المواطنين، تؤكّد أنّ حكومة الرئيس نجيب ميقاتي أتت لإجراء الإنتخابات النيابية في موعدها من جهة، أي لعدم تمرير هذا الإستحقاق بسبب الأزمة الإقتصادية والمالية الخانقة التي يمرّ بها البلد أو لأي سبب آخر، إذ من شأنه تمرير الإستحقاق الرئاسي في حال عدم حصوله، كما لاستكمال المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي من جهة ثانية.

تقول مصادر سياسية مطّلعة، إنّه إذا لم تضع «حكومة معاً للإنقاذ» خطّة إقتصادية شاملة لقطاع الكهرباء تمتدّ على سنتين أو ثلاث، فإنّ صندوق النقد الدولي لن يقتنع بأنّها ماضية في تحقيق الإصلاحات المطلوبة، وبالتالي لن يمنحها مليارات الدولارات ليتمّ هدرها سدى من دون إصلاح أي قطاع، على غرار ما حصل بأموال المؤتمرات الدولية السابقة مثل «باريس1»، و»باريس2»، و”باريس3». وحتى الآن، لا يبدو أنّ الحكومة الجديدة تستفيد من الوقت، وتعمل على وضع الخطّة الإصلاحية لكي تقنع صندوق النقد بإعطائها الأموال اللازمة لتنفيذ المشاريع. علماً بأنّ أمامها فرصة شهر ونصف الشهر تقريباً، على ما أعلن رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، ولهذا عليها إنهاء النقاش مع الصندوق وكذلك مشكلة الكهرباء خلال هذه الفترة وإلا تكون قد فشلت. فمع بداية كانون الأول المقبل يُصبح مجلس النوّاب شبه معطّل، وتدخل البلاد عندئذ في حمى التحضير للإنتخابات النيابية، الأمر الذي من شأنه دفع الحكومة الى الإستثمار في عامل الوقت الحالي لتحقيق الإنقاذ والنجاح.

وأكّدت المصادر أنّه لم يعد خافياً على أحد أنّ التوافق على إجراء الإنتخابات النيابية في 27 آذار المقبل، بحسب التوصية البرلمانية، سيحصل بدلاً من 8 أيّار المقبل، وفق الموعد الذي كان حُدّد في وقت سابق، سيما أنّ القانون ينصّ على تحديد موعدها خلال الستين يوماً قبل انتهاء ولاية المجلس الحالي أي في 21 أيّار المقبل. غير أنّ الخلاف بين القوى والأحزاب السياسية لا يزال قائماً حول القانون الإنتخابي ككلّ، ولا بدّ من يُترجم ذلك في مجلس النوّاب، لا سيما مع انعقاد العقد الثاني للهيئة العامّة له يوم الثلاثاء المقبل في 19 تشرين الأول الجاري. وبالطبع سوف تجري مناقشة القانون بحدّ ذاته، إذا كان سيُعتمد القانون الحالي النافذ القائم على النسبية على أساس 15 دائرة مع صوت تفضيلي، أم سيتمّ إدخال التعديلات على نوع القانون. وهنا لفتت الى أنّه إذا كان التعديل سيكون جوهرياً وسيتناول القانون بحدّ ذاته، فإنّ هذا من شأنه «تطيير الإنتخابات». كما سيتمّ البحث في موضوع البطاقة الإلكترونية أو الممغنطة (المادة 84)، والميغاسنتر وسواهما من الإصلاحات المطلوبة، علماً بأنّه كان يجب مناقشتهما في وقت سابق ما يُسهّل إمكانية تطبيق مثل هذه الإصلاحات.

وأشارت المصادر الى أنّ موضوع اقتراع المغتربين سيأخذ حيّزاً واسعاً من النقاش نظراً للخلاف حوله، لا سيما في ما يتعلّق باستحداث المقاعد الستّة المخصّصة لهم والتي يُفترض توزيعها بحسب الطوائف الستّ الأساسية على القارّات الستّ. وتتوقّع المصادر أن يحصل خلاف كبير حولها في المجلس توصّلاً الى إلغاء هذه المقاعد، والإبقاء على انتخاب المغتربين لنوّاب الداخل الـ 128، على غرار ما حصل في الدورة الماضية، كما سيبحث المجلس مسألة التعديل الدستوري المتعلّق بتخفيض سنّ الإقتراع من 21 الى 18 سنة، بهدف أن ينتخب عدد أكبر من الشباب اللبنانيين. علماً بأنّ هذا التعديل قد لا يمرّ، على ما ذكرت المصادر، في حال تمسّكت الكتل النيابية التي تعتبر أنّه لا يفيدها إنتخابياً، كون عدد الشباب في هذه السنّ من طوائفها أقلّ من عددهم في الطوائف الأخرى، ما يُرجّح كفّة هذه الأخيرة. غير أنّ حقّ اقتراع المغتربين ستتمّ المحافظة عليه، بحسب رأي المصادر، سيما أنّ القانون النافذ رقم 44 الصادر في العام 2017 ينصّ في المادة 111 منه على أنّه «يحقّ لكلّ لبناني غير مقيم على الأراضي اللبنانية أن يُمارس حقّ الإقتراع»... شرط أن يكون اسمه وارداً في سجلات الأحوال الشخصية، أي في لوائح القيد. فإشراك الإنتشار اللبناني في عملية الإقتراع رغم الأرقام الضعيفة التي نتجت من الدورة الماضية، لكنّه يبقى حقّاً يجب أن يستمرّ لتكون العملية ديموقراطية أكثر من خلال احترام اللبنانيين في الخارج. علماً أنّ إلغاء المقاعد الستّة المخصّصة للمغتربين واقتراعهم على غرار اللبنانيين في الداخل، يتطلّب تعديلاً بسيطاً على القانون.

وتجدر الإشارة الى أنّه في الدورة الماضية، أي في انتخابات العام 2018 التي أشركت اللبنانيين غير المقيمين في العملية الإنتخابية للمرّة الأولى، تسجّل 92810 لبنانياً غير مقيم، تمّت الموافقة على طلبات 82965 منهم، فيما رُفضت الطلبات غير المستوفية للشروط القانونية، وقد انتخب منهم 46799، أي ما نسبته 56% من ناخبي الخارج، و2.5% فقط من إجمالي المقترعين في لبنان، وهي نسبة ضئيلة جدّاً. لهذا فإنّ إحداث التغيير المطلوب من خلال أصوات الناخبين، لا سيما من غير المقيمين، لا يمكن أن يحدث، على ما عقّبت المصادر، ما لم يتمّ تسجيل نحو 300 ألف ناخب على أن ينتخب نصفهم أو 200 ألف منهم. أمّا انتخاب عدد أقلّ، على ما حصل في الدورة الماضية، فلا يمكن أن تغيير في المعادلة السياسية. ورغم وجود عدد كبير من اللبنانيين المغتربين في جميع دول العالم، ويبلغ عددهم نحو 14 مليون لبناني أو أكثر، فإنّ الذين يملكون الجنسية اللبنانية ويحقّ لهم الإنتخاب لا يتعدّى المليون ناخب. علماً بأنّ عدداً من هؤلاء قد يأتي الى لبنان للإنتخاب، في حين أنّ البعض الآخر قد لا تسمح له ظروفه بالمجيء، ما يضطره الى التسجيل حيث يقيم في حال كان يودّ التصويت. وأردفت هنا، أنّ بعض الأحزاب قد تستفيد من هذا الأمر لشراء بطاقات السفر للناخبين الذين يودّون الإنتخاب في لبنان، بهدف ان تحصل على أصواتهم. غير أنّ المرشّحين المستقلّين يُعوّلون على هذه الشريحة من اللبنانيين، أكانت تضمّ مغتربين قدامى، أو حديثي الهجرة بهدف العمل، لعدم إمكانية القوى والأحزاب التحكّم بها، لا حزبياً ولا طائفياً ولا مناطقياً، وقدرتها بالتالي على الإقتراع بكلّ حرية، ما يجعل أصواتها تصبّ لمصلحتهم.

وقالت المصادر نفسها، إنّه منذ بدء عملية تسجيل المغتربين في الأول من تشرين الأول الجاري، سُجّل حتى الآن نحو 6200 ناخب في دول العالم، وهذا الرقم لا يزال يُعتبر ضئيلاً، وإن كانت الماكينات الإنتخابية تعمل على تشجيع اللبنانيين المنتشرين على التسجيل، وإن كانت لا يُمكنها التأثير فيهم، على ما تفعل مع الناخبين المقيمين في لبنان. غير أنّ المصادر لفتت الى أنّ الأحزاب السياسية تُعوّل على أصوات مناصريها وناخبيها المنتشرين في دول الخارج لتغيّر النتائج في الداخل. علماً بأنّ باب التسجيل لا يزال مفتوحاً حتى 20 تشرين الثاني المقبل، ويعوّل الكثيرون على ارتفاع أعداد المغتربين المسجّلين خلال هذه الفترة، بهدف أن تُشكّل أصواتهم قوّة إنتخابية قادرة على قلب المعادلة.  

الأكثر قراءة

مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: اخطأنا بحق الاسد ودمشق