ينتظر لبنان عودة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من القمّة المناخية التي عُقدت في غلاسكو في اسكتلندا، والتقى خلالها مسؤولين دوليين وعرب عرض عليهم الأزمة الديبلوماسية والسياسية المستجدّة بين لبنان والسعودية وعدد من الدول الخليجية لإيجاد مخرج لها يُعيدها الى طبيعتها. وقد أكّدت نتائج الإتصالات الداخلية والخارجية أنّ "الحكومة باقية، وثمّة تطمينات دولية وعربية لدعمها"، ويُعوّل على الداخل لاستئناف عقد جلساتها الوزارية لاتخاذ القرارات الحاسمة في ملفّات عدّة، وأهمّها حالياً قضية وزير الإعلام جورج قرداحي وحلّ الأزمة مع السعودية ودول الخليج، وتعديل المرسوم 6433 المتعلّق بترسيم الحدود البحرية، وإيجاد الحلول للمشاكل الحياتية المتفاقمة من الكهرباء الى تحسين الوضع المعيشي والبطاقة التمويلية وما الى ذلك... وفي الإنتظار، وفي ظلّ حديث بعض وسائل الإعلام عن أنّ جامعة الدول العربية ستقوم بعزل لبنان على خلفية الأزمة الديبلوماسية مع بعض الدول الخليجية، أين تتجه الأمور؟!

أوساط ديبلوماسية مواكبة أشارت الى أنّه لا يُمكن لجامعة الدول العربية أن تتخذ قرار عزل لبنان عن الجامعة بسبب أزمة لا علاقة للدولة بها، كما أنّه "لا يوجد أي كلام حول إخراج لبنان من الجامعة"، على ما أكّد مساعد الأمين العام للجامعة حسام زكي، و"لا يوجد أي مبادرة بالتالي من الجامعة حول الأزمة اللبنانية - الخليجية". وأوضح "بأنّ الأزمة لها جذور والتصريحات لم تكن من فراغ، ولكي يتمّ جعل الجانبين أكثر مرونة الأمر، قد يحتاج الى طرف ثالث". فمن يكون هذا الطرف الثالث؟!

حتى الآن، على ما أضافت الاوساط، لم تُبادر أي دولة عربية أو أجنبية لأن تكون الوسيط في الأزمة الديبلوماسية والسياسية بين لبنان والسعودية وبعض دول الخليج التي حذت حذوها، أي البحرين والكويت والإمارات التي سحبت ديبلوماسييها من لبنان وطلبت من سفرائها فيه مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، ومنعت بالتالي مواطنيها من السفر إليه. علماً بأنّ لبنان سعى عن طريق تشكيل خليّة الأزمة الوزارية بموجب تنسيق وتشاور بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، الى معالجة الأزمة المستجدّة بالطرق الديبلوماسية ووقف التصعيد لكي لا يصل الى قطع العلاقات، وكانت الخليّة برئاسة وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بو حبيب وعضوية وزراء الداخلية والتربية والإقتصاد والمالية ومدير عام رئاسة الجمهورية، قد أعلنت عن إبقاء انعقاد جلساتها مفتوحة لرأب الصدع، ولكن سرعان ما أعلن الوزير بو حبيب عن أن عملها انتهى بسبب فشلها بعد أن "باتت الأزمة أكبر من الوزارات وأكبر من لبنان".

وتقول الأوساط نفسها بأنّ عمل الخليّة اصطدم بأمرين مهمّين:

- الأول: داخلي يعود الى مواجهة الحكومة لمشاكل عدّة منذ ولادتها، وهي اليوم، منذ أحداث الطيّونة في 14 تشرين الأول الفائت، غير قادرة على الإجتماع، فيما كان يُفترض أن تجتمع لاتخاذ موقف موحّد فيما يتعلّق بقضية الوزير قرداحي... مع أنّ استقالته قد لا تؤدّي الى إصلاح العلاقة بين لبنان والسعودية، سيما وأنّ المشكلة التي واجهت وزير الخارجية السابق شربل وهبة مع السعودية في أيّار الماضي، ودفعته الى تقديم استقالته، لم تؤدّ الى إعادة العلاقات مع السعودية الى طبيعتها، وإن كانت جنّبت آنذاك مقاطعة السعودية ودول الخليج للبنان.

- الثاني: عدم التجاوب من قبل السعودية التي أظهرت قساوة ظاهرة تجاه لبنان، ما أوحى بعدم تراجعها عن موقفها، وذلك خلافاً للمرونة التي أبدتها بعض دول مجلس التعاون الخليجي رغم اتخاذها الخطوات نفسها، مثل الكويت التي التقى رئيس وزرائها الشيخ صباح خالد الحمد الصباح بميقاتي في قمّة غلاسكو، وأكّد حرص بلاده على لبنان وسعيها المستمرّ لدعمه في كلّ المجالات، كما حرصها على وحدة مجلس التعاون الخليجي.

ولهذا أوقفت الخليّة عملها، على ما أوضحت الأوساط عينها، بعد أن تبيّن لها أنّ الأزمة بحاجة الى طرف ثالث مؤثّر على لبنان كما على الدول الخليجية لحلّ الأزمة التي وصلت الى قطع العلاقات قبل أن تفتح السعودية أي باب للحوار مع لبنان. وبرأيها، أنّه يُمكن لسلطنة عُمان أو قطر، أن تلعب هذا الدوركونها تعلم، كما السعودية، بأنّ "تصريحات قرداحي لا تعكس وجهة نظر الدولة اللبنانية، على ما أعلن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وأنّها جرت قبل تعيينه وزيراً"، وعلى أنّ "لبنان حريص على أطيب العلاقات مع الدول العربية والخليجية"، على ما صرّح ميقاتي. فسلطنة عُمان وقطر لم تقطعا العلاقات مع لبنان، على العكس، فقد وقفت الى جانبه في هذه الأزمة، وينتظر لبنان زيارة وزير خارجية قطر قريباً للعمل على إيجاد مخرج للأزمة والقيام بالوساطة بين لبنان والدول الخليجية بهدف وقف التصعيد، في الوقت الذي سعى فيه لبنان سريعاً الى حلّ مشكلة الصادرات اللبنانية التي أوقفتها السعودية، وذلك عن طريق تصديرها الى الأردن كسوق بديلة لها.

ولأنّ القصة ليست قصّة قرداحي، بل قصّة "قلوب مليانة"، على ما فُهم من تصريحات وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بأنّ "الإشكالية في لبنان هي أكثر من تصريح وزير، وإنّما تكمن في سيطرة وكلاء إيران، وهيمنة حزب الله على النظام اللبناني"، وبأنّه "على قادة لبنان إيجاد مخرج لإعادة البلد الى مكانته في العالم العربي"، لفتت الأوساط نفسها الى أنّ المطلوب حالياً القيام بأمرين:

- الأول: التوافق الداخلي في مجلس الوزراء على موقف موحّد لاحتواء الأزمة، وإعادة العلاقات بين لبنان ودول الخليج الى طبيعتها، على أن لا يأتي القرار على حساب لبنان أو على حساب السعودية.

- الثاني: وساطة عربية لقيام حوار ثنائي أو في جامعة الدول العربية للتقريب في وجهات النظر بين لبنان والسعودية وبعض دول الخليج فيما يتعلّق بعناوين سياسية عدّة، فالحوار بين السعودية وحزب الله، بات ممكناً، ما دامت المملكة تتفاوض اليوم مع إيران على ملفات عدّة في المنطقة.


الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟