ألا تتناهي اليكم قهقهات أفلاطون، في قبره، حين يكتب مفكرو الغرب، ومفكرو العرب، عن أن السبب في بلائنا ـ بلاؤنا العظيم ـ في هذه المنطقة هو غياب الديمقراطية؟

على نحو عابر، نعرّج على "اسرائيل" التي يرى فيها الأباطرة لؤلؤة الديمقراطية في الشرق الأوسط.

أي طراز من الديمقراطية حين نكون أمام نظام ثيولوجي، مغلق، ويستند في وجوده الى "وعد الهي" بـ "أرض الميعاد"، كونه "شعب الله المختار" الذي يحق له أن يقتل شعباً باكمله للحلول محله، كما يحق له أن يهدم المنازل، ويعتقل الآلاف، ويضرب النساء والأطفال، لأن هؤلاء يطالبون فقط بأن يكون لهم مكان، أو حتى حفنة من التراب، تحت قبة السماء؟

"اذا لم يكن الله ديمقراطياً كيف يمكن للكائن البشري أن يكون ديمقراطياً"؟. هذا سؤال المفكر الأميركي (اليهودي) ناعوم تشومسكي الذي يستغرب كيف أن الله اختص اليهود، دون سائر الشعوب، بالوطن المقدس، وهم الذين انتفضوا عليه، الى حد الاشتباك مع أحد أنبيائه (يعقوب الذي يرميه أرضاً)، وان تم تعديل الصورة ليبدو أن الاشتباك حدث مع "الملاك" منعاً لاثارة سخط الآخرين.

هم "شعب الله المختار". الآخرون ماذا؟ وأين ديمقراطية الله في هذه الحال؟ وقد لاحظنا كيف أن ملوك التوراة، والجنرالات والحاخامات على خطاهم، يدعون الى قتل المواشي، وبقر بطون الحوامل، واحراق الزرع، واعتبار الآخرين (الأغيار) مجرد ديدان تدب على الأرض. تابعوا دعوات الحاخامات، وهم عرّابو أحزاب اليمين، الى الملائكة المدمرة بأن تمحق العرب...

بالرغم من كل المشاهد اليومية للقتل، وللاقتلاع، وللتنكيل، ولجرجرة النساء بشعرهن على الأرض، مازال الغرب (الغرب البشع) يعتبر أن الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقتنا هي "اسرائيل"، ودون أن يلاحظ مدى تجذر ثقافة الكراهية في اللاوعي لدى هؤلاء الناس.

لا تنسوا الديمقراطية الغرائبية في لبنان. ديمقراطية أكلة عظام البشر. حاولوا أن تحصوا عدد النواب الذين ورثوا المقعد التشريعي عن آبائهم، أو عن أجدادهم، أو عن أعمامهم، أو عن أشقائهم، أو عن أبناء عشيرتهم. ألا يتبين لكم أن البنية الفلسفية لنظامنا هي البنية القبلية، وحيث بعض المرجعيات الدينية تؤمن التغطية لكل تلك الهلهلة، ليتكرس التواطؤ في رعاية الفساد بين الزمني واللازمني...

الأكثر اثارة أن ثمة من يحمل على كتفيه مفهوم السيادة (الذي متى افترق عن مفهوم الديمقراطية؟)، كما يحمل أحدهم كيس البطاطا، أو كيس الشعير. اذهبوا الى اللوحة الشهيرة على صخرة نهر الكلب لتروا كيف أننا مجرد رصيف للغزاة، وأننا نجد دوماً من ينثر الورود على كل من يدق، ولو بعصاه، على بابنا...

لسنا وحدنا في لبنان هكذا. كل المنطقة هكذا. كلنا مصابون بالشيزوفرانيا القومية، والدينية. كيف يمكن لدولة ما، لدول ما، أن تكون ديمقراطية، وأن تفاخر بديمقراطيتها، حين تكون تحت وصاية أساطيل الدول العظمى، وفي ظل الهيكلية التوتاليتارية، أو القبلية، للسلطة؟

كلنا في حضرة الاله الأميركي (هنا لا ندري أهي ديمقراطية توماس جيفرسون أم ديمقراطية يوشع بن نون). اذا لم نطأطئ رؤوسنا، وظهورنا، لن نجد رغيف الخبز، ولن نجد تنكة البنزين، ولن نجد أكياس الشعير كطعام للبغال التي تجر الطنابر كبديل عن الأميركيات الفارهات . هكذا كانت توصف السيارات الأميركية الفاخرة أيام زمان...

أنظروا الى الديمقراطية في العراق، البلد الذي عرف تشريعات حمورابي، كما عرف الحياة البرلمانية قبل 300 عام من الميلاد، ثم اقرأوا الفاتحة، حتى لو كنتم مسيحيين أو بهائيين، أو ازيديين، على صدام حسين، وعلى عبد الكريم قاسم، وحتى على هولاكو، لأن بول بريمر، الحاكم الأميركي بعد الغزو، نبش القبور، وأمر العراقيين، بأن يقتلوا بعضهم البعض، وأن يحاوروا بعضهم البعض (حول الديمقراطية)، بعظام آبائهم، أو بقاقيب المرجعيات السياسية والدينية.

أيها السادة الأميركيون، وأيها السادة الأوروبيون. نحن هكذا لأنكم قتلتم الزمن فينا، الله فينا. ذباب بشري على مد عينك والنظر...

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟