كيف لنا أن نتخيل أن تأتي صناديق الاقتراع برجال من طراز اميليو زاباتا، أو تشي غيفارا. نحن المعلبون، المبرمجون، داخل عباءات ملوك الطوائف. هكذا في أرجاء المنطقة. حتى أننا نتساءل هل كان الله يعاقب آدم أم كان يعاقبنا حين نزل به الى هذه الديار؟ وقيل... الديار المقدسة.

كل الدنيا ترثي لأحوالنا، تستغرب كيف وضعنا أعصابنا وعظامنا في الثلاجة (الثلاجة الأبدية). ديفيد هيرست قال لنا ذات يوم، وقبل انفجار الأزمة بسنوات «أنتم بحاجة الى قادة بمواصفات هولاكو، أو بمواصفات الحجاج بن يوسف».

لكي تقوم الدولة، يفترض أن تقطع رؤوس كثيرة. هذا ما فعله جمال باشا حين لاحظ أننا نحاول ابدال الطربوش العثماني بالقبعة الانكليزية، أو بالقبعة الفرنسية، لنستقر، أخيراً، تحت قبعة الكاوبوي...

أزمتنا، كظاهرة سوسيولوجية، لم تولد الآن. كنا قد استعدنا ما كتبه الوزير الانكليزي البروتستانتي W. Tomson، في مقالة نشرت عام 1860 بعنوان The land and the book قال «هناك حوالي 400 ألف انسان ينتشرون في 600 ضيعة وبلدة تضم ديانات، واتنيات، مختلفة مع بعضها البعض، متناقضة، وحاملة لهواجسها، دون أن تنصهر في بوتقة واحدة».

وقال السنّة والشيعة يكرهون الدروز، والثلاثة يكرهون العلويين النصيريين. كذلك لا أحد يختص الموارنة بالحب. في المقابل، الجميع يكرهونهم. الأرثوذكس لا يتحملون الكاثوليك، والكل يكرهون اليهود ظاهراً، ويتعاملون معهم باطنا. «لا أعتقد بوجود شعب في العالم يحمل مثل هذه التناقضات». 

خلص الى أن «هؤلاء لن يتمكنوا من أن يكونوا شعباً واحداً، وأن يتفاهموا على مسألة سياسية واحدة. هكذا سيبقون ضعفاء، عاجزين عن حكم أنفسهم، ومعرضين للاحتلال وللضغط من الخارج» !

ما الذي تغير في المشهد على مدى القرنين الفائتين؟ لا نعتقد أن البطريرك الياس الحويك لم يطّلع على هذه المقالة ليقنع كليمنصو، تحت الثريات الباهرة في قصر فرساي، بقيام دولة تكون بمثابة الوديعة الفرنسية في الشرق. وكان سعيد عقل يقول لنا اننا وديعة، وصنيعة،الهية...

حتى الحرب الأهلية، وحين كات جماجمنا تتكدس على عربات الخضار، لم تغيّر فينا شيئاً. عشية الكوميديا الانتخابية، ما الفارق بين ذلك الزمن، حين كان الزعيم، بشاربي شيخ القبيلة، يضع عصا على لائحته ويمضي بها الى ساحة النجمة، وهذا الزمن، حيث باستطاعة الزعيم، ودون الحاجة الى الشاربين، أن يصل باللوح الخشبي الى قبة البرلمان؟

  هذا أيام جمهورية الباريزيانا، كما كان يدعوها عمر الزعني، والآن أيام جمهورية التيتانيك. كم يبدو المشهد مضحكاً حين يسعى العراب الأميركي لانتاج سلطة بديلة في لبنان! متى لم تكن وكالة الاستخبارات المركزية تصنع أولئك الساسة الذين يشبهون الأواني الفارغة؟

لا نشكك أبداً في اعتدال سعد الحريري، وفي اعتداله، وفي لا طائفيته، ولكن لماذا يدق البعض ناقوس الخطر اذا لم يخض الرجل المعركة الانتخابية، كما لو أنه ليس من تلك المنظومة السياسية التي ذهبت بنا ولا تزال تذهب بنا الى أقاصي الخراب؟

خوف على أهل السنّة، وهم أهل الأمة، من أن يتصدى لقيادتهم أصحاب اللحى المسننة، اياهم أصحاب الرؤوس المسننة، وبادارة خارجية، كما لو أن الشيخ سعد لم يكن يعطي الأولوية للمرجعية المقدسة في المملكة التي وصفها الرئيس نجيب ميقاتي بـ «قبلتي الدينية والسياسية».

منذ القرن التاسع عشر، ولكل من القادة اللبنانيين مرجعيته، وسواء وراء البحار أم وراء الصحارى. لا يد لنا لا في ادارة البلد، ولا في صياغة سياسات البلد. كما لو أن ساستنا «نواطير المفاتيح «. اولئك الرحابنة الرائعون الذين دخلوا الى أقاصي اللاوعي لدى القبائل اللبنانية.

الانتخابات النيابية، وبذلك القانون الذي يعني التفكيك البنيوي للدولة، وللمجتمع، ليست أكثر من ملهاة بلهاء. بعد قليل، لا جمهورية، ولا رئيس جمهورية. على ماذا يراهن ملوك الطوائف، وهم الذين يدركون كيف ينظر اليهم العالم. متحف للشمع أم متحف للمومياءات؟!

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟