اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب كنت احتسي قهوتي الصباحية في احد مقاهي بيروت، كانت تجول في فكري حالة البلد العامة وكنت اسأل نفسي كيف آلت بنا الأمور الاقتصادية والاجتماعية الى هذا المستوى؟

وما هو سبب وصولنا الى هذا الدرك؟ وكيف لنا ان نعبر هذا النفق؟ وهل يمكن ان نجتاز هذه الفترة السوداء سالمين؟

كنت اراقب المارين من قربي وارصد تعابير وجوههم وتصرفاتهم.

كنت اراقب الحزن المختبىء في عيونهم وبسماتهم الخجولة وفرحهم المصطنع حتى كنت اسمع همسات العتب «والنق» على وضع البلد وسياسيّيه. وبينما اراني غارقاً في هموم الحاضر ومشاهده الحزينة صُور غزت مخيّلتي. كل صور الماضي البهي صحت في داخلي واصوات من الزمن الجميل سمعتها من جديد تندهني وحتى رائحة الياسمين تعانقت مع رائحة القهوة فعبقت خيراً.

كنت جالساً وكل حواسي تعمل ومخيلتي تعكس امامي كل هذه الصور واذا بي اسمع صوت امرأة تكلمني باللغة الفرنسية قائلة «Bonjour Monsieur» وتظهر امامي بشعرها الرمادي الطويل انيقة بهية تفوح منها رائحة الانوثة النادرة. تعجبت ووقفت قائلا: «Oui Mme» «شو بتريدي» فردّت عليّ وعيناها تبرقان وتختزنان احزان الارض كلها، قائلة أنا ابيع الفنّ وفنيّ هذا، هو كل ذكرياتي!

بدأت تغريني بفنها وتعرض عليّ مفاتنه. استهلت حفلة البيع برسومات قالت انها رسمتها وهي في سن المراهقة، فقلت لها يعني «مش من زمان كتير» فأحمرّت وجنتاها وكأنها بالفعل من عمر المراهقين فامطرتها اسئلة وكأنني عارف بخبايا الفنون وشجون الرسم والنحت.

كم السعر؟ وما هو عددها؟ وبماذا رسمتِها؟ وهل هي مختلفة عن بعضها؟ وما هو نوع المادة؟ وهل هذا فن تشكيلي ام تجريدي؟

فابتسمت، وكأن البسمة لم تعرف شفتيها منذ زمن، واردفت قائلة: «هيأتك بتعرف بالرسم؟»

فجاوبت بنعم، مدعيا المعرفة وانا بالفعل لا اعرف الا اسماء بعض الرسامين المشهورين فبدا عليها الارتياح معتبرة انني «زبون لقطة» ففاضت عليّ بشرح عن انواع الرسم ومدارسه وتقنياته. وأنا كنت مأخوذاً بجمالها المستور وكأنها لا تدري انها جميلة!

بضع دقائق مرّت وهي واقفة بقربي تغويني برسمها وتحضّر لعملية البيع وانا شارد بردود فعلها واحمرار خدّيها والتماع عينيها وارتباك يديها.

سألتها مجدداً، ماذا لديك في الكيس ايضاً؟ فجاوبتني ودمع العين يسبقها لديّ الكثير من الذكريات، ذكريات الطفولة موجودة وذكريات الشباب ايضا ًوحتى ذكريات أهلي واجدادي. فاخرجت تحفاً واشغالا يدوية مشغولة من القماش ومطرزة بجميع الالوان وازراراً فضية وذهبية، فخلت انها تبيع «جهاز عرسها» وأغلى ما تملك!

هنا سألتها لماذا انت تبيعيني كل هذه المقتنيات؟ فاجابتني «انا فنانة وكل ما اصنع وابدع هو لي ولكن الظروف اجبرتني على التخلّي عنها، فأردت بيعها، أنا ابيع الفن الممزوج بالذكريات والمشاهد الجميلة، انا ابيع تاريخي وتاريخ اهلي وكل ذلك كيلا ابيع شيئاً آخر، وفهمك كفاية»!!

هنا ادركت حجم الحالة الاجتماعية التي تمرّ بها هذه المرأة ولمست لمس اليد الفقر الذي وصل اليه المجتمع اللبناني عامة و«الأوادم» خاصة.

وايقنت ان الطبقة الوسطى التي كانت تشكل اغلبية العائلات اللبنانية زالت وبات افرادها فقراء معوزين يبحثون عن لقمة العيش يميناً ويساراً.

وقفت لوقت قصير افكّر في الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي اوصلتنا اليه الطبقة السياسية الفاسدة والعاجزة عن ايجاد أي حل ومرّ في ذهني صورة اللبنان المزدهر في ستينيات القرن الماضي ولاحت في الافق هامات رجال الدولة من كميل شمعون الى فؤاد شهاب والياس سركيس ورياض الصلح وشارل مالك وغسان تويني وجان عزيز ووو....

قاطعتني الفنانة البائعة قائلة: «تريد رسمة ام شرشفا مطرّزاً»؟

فجاوبتها والغصة تخنقني لن اشتري منك تاريخك ولن ادعك تبيعينه ولن اسمح لك بان تبدّدي مقتنيات عائلتك. واردفت قائلاً سأسعى كي يكون لك محترف ترسمين فيه وتزخرفين وتطرّزين وتبدعين وبذلك تقدرين على اعالة نفسك، فهزّت برأسها رافضة عرضي مع كثير من الحسرة قائلة: «انا ابيع كل شيء وسأغادر هذا الوطن اللعين!!».

وهنا وجدتني صامتاً ابكم واخرس غير قادر على ايجاد جواب يليق بحزنها وخيبة أملها فرأيت نفسي صغيرة امام غضبها ويأسها وانكسارها. وعلمت فظاعة الاذى الذي تسببه السلطة الحاكمة في نفوس الشرفاء وادركت انني غير قادر على تبرير ما يحصل ولست مجبراً على الدفاع عن أحد او تبييض صفحته.

ولكيلا ابقى صامتاً، وانا عارف أن ما سأقوله ليس له قيمة عندها، بدأت بالحديث عن مجد لبنان وعظمته ودوره في هذا الشرق وتابعت شارحاً لها كيف ان الاشرار يخططون لالغاء لبنان من الخريطة في المنطقة وكيف انهم يستبيحون ارضه وشرعيته وسيادته وحريته وكيف أن الشعب الصامد لن يدعهم يحققون مأربهم وانه لن ينكسر وان طير الفينيق سينتفض في آخر الامر. ردت عليّ باختصار لقد فات الأوان!!!

هنا فَطِنت عجزي وادركت ان الشعب العظيم الذي راهنّا عليه بات في اسفل السلم الاجتماعي فقيراً ذليلاً محطماً وانه لو جاء كل سلاطين الارض وديبلوماسييها لن يقدروا على اقناعها بالبقاء في هذا الوطن ولن يقووا على تغيير نظرتها للوضع القائم او تعديل قرارها.

في آخر الحديث معها لم اقدر ان انظر بعينيها ولا حتى ان اتفوه بكلمة واحدة. فغادرت المكان مرفوعة الرأس وكأنها ربحت جولة من معارك الحياة محققة هدفاً في مرمى تفاؤلي وثقتي بهذه الدولة!

خلال حديثنا الذي زاد على نصف ساعة مرّ علينا العديد من الاشخاص يطلبون المساعدة، امرأة طلبت ثمن ربطة خبز واخرى قالت: «ابني بحاجة الى دواء» وعجوز يريد ان يأكل «سندويش» وكانت هي في كل مرّة تتعاطف مع المحتاج وتعطيه ما تيسّر، فقلت في نفسي كم هي كبيرة عزّة نفس هذه المرأة اذ انها أبت ان تتسوّل مثلهم بل ارادت ان تضحي بأثمن ما تملك كي تحصل على النقود.

هذا ما حدث معي صبيحة ذلك النهار فكان درس لي لن انساه ما حييت وتمنيت لو يسمع احد المسؤولين في هذه السلطة الحديث الذي جرى بيننا، لذلك قررت ان اكتب تفاصيل هذا الدرس حبذا لو يقرأه احد يوماً ما.

في الختام اقدر ان اقول إن بائعة الفن انتصرت بمنطقها على بائع الكلام والوعود وعلمته درساً لن ينساه.

الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!