اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

عشية انتخابات البقاع عام 2009، وغداة خطاب انتخابي للسيد حسن نصرالله، دعا البطريرك مارنصرالله بطرس صفير، باللغة التي قلما يتقنها أحد غيره (اللغة المخملية التي لها وقع القنبلة) الى حماية الهوية العربية للبنان، وكان أن الصناديق انقلبت رأساً على عقب في قضاء زحلة، لتسقط لائحة 8 أذار بأكملها، وتفوز بالمقاعد السبعة لائحة 14 أذار، وان كان الفريقان يشكلان النصف والنصف الآخر في منظومة الفساد.

لا أحد توقف آنذاك، عند "الكلمات المتفجرة" في الدعوة. احلال القومية العربية محل القومية اللبنانية، وهي المرة الأولى، وربما الأخيرة، التي يعترف فيها بطريرك ماروني بالهوية العربية للبنان، ومنذ أيام البطريرك الياس الحويك الذي لم يكن ليتصور أن يحدث ذلك على لسان أي ممن أعطوا مجد لبنان...

في ذلك اليوم تشكل اصطفاف طائفي ضد لائحة ايلي سكاف لكأنه سليل قوروش أو داريوس، أو كسرى أنو شروان. نتائج زحلة، وهذا ما أشار اليه السيد في كلمة أخيرة له، جعلت الميزان يميل الى قوى 14 آذار.

الآن، في انتخابات 2022، بالقانون السريالي ـ وقد زال الاصطفاف الثنائي ـ والبلد يحتضر، قال البطريرك مار بطرس بشارة الراعي، في رسالة الفصح "اذا لم يتنبه الشعب الى خطورة المرحلة، ويقدم على اختيار القوى القادرة على الدفاع عن لبنان وهويته، واعادة علاقاته العربية والدولية، فان هذا الشعب يتحمل مسؤولية الانهيار الكبير".

الانهيار الكبير. أهو الانفجار الذي يفضي الى الزوال؟ في استعراضنا للوائح المرشحين، وحيث الزبائنية في ذروتها، لم نتبيّن من هي "القوى القادرة"، وهل هناك من هوية للبنان ليكون هناك من يهدد هذه الهوية؟

المقصود هو التحول من الهوية اللبنانية (القتيلة أم الضائعة؟) الى الهوية الايرانية. هل يمكن لأي كان أن يتصور قيام نظام مماثل للنظام الثيوقراطي في ايران، بالايديولوجيا ذات البعد الواحد، وذات الرأس الواحد، في دولة مركبة برؤوس عدة، ومن طوائف مختلفة وثقافات مختلفة، وحتى من ايديولوجيات مختلفة؟

هذا وان كان بعض الخبراء الدستوريين يعتبرون أن المنظومة السياسية عبثت باتفاق الطائف لتنتج نظاماً توتاليتارياً حوّل الدولة الى كونسورسيوم للطوائف...

ثم أي أمبراطورية في التاريخ تمكنت حتى من تغيير هوية أي من القبائل، وهو ما عجز عنه الاله الأبيض في أميركا، بالرغم من عمليات الابادة. وها أن أحفاد الهنود الحمر يتمسكون بتراثهم البدائي، ويتهمون السلطة الأمبرطورية باغتصاب أراضيهم، في حين يكتب أمين معلوف عن ... الهويات القاتلة!

أي قوة أسطورية يمتلكها الايرانيون، وهم تحت الحصار بتداعياته الكارثية على الاقتصاد، وحتى على النظام، لكي يغيروا هوية لبنان، وقيل سوريا أيضاً، حتى لنكاد نسأل، كعرب لا يد لنا حتى في صياغة سياساتنا، وفي حماية دولنا، هل من هوية للعرب في زمننا الراهن؟

لعل السؤال الذي يتجاوز جوهرياً الأسئلة الأخرى: هل ثمة من شعب واحد في لبنان كي يدافع عن الهوية؟ وهل قامت الطبقات السياسية المتعاقبة، وعلى مدى نحو قرن، بالادارة الخلاقة لعملية التفاعل (التفاعل العضوي) بين المكونات التي تتشكل منها الدولة اللبنانية؟

لنعد الى محضر اللقاء في قصر فرساي (1919) بين البطريرك الحويك وجورج كليمنصو (وكيف رسمت خريطة دولة لبنان الكبير)، والى الميثاق الوطني عام 1943، لكأنه ميثاق بين شعبين لا بين طائفتين، وحتى الى وثيقة الطائف التي حاولت ارساء قواعد للتوازن بين الشعوب لا بين الطوائف...

لا هوية لنا. مجموعة هويات في صراع أبدي. على حدودنا، حاييم وايزمان تحدث عن المعجزة "التي قمنا بها حين حولنا الجاليات اليهودية الآتية من أصقاع الدنيا الى دولة قد تقود المنطقة الأكثر تعقيداً في الكرة الأرضية".

هذا كلام من اغتصبوا أرضاً ليست لهم. الأرض التي نحن عليها من مئات، وربما من آلاف السنين، هي أرضنا وهي هويتنا التي نتمسك بها، وندافع عنها بأسناننا، ولكن ألم تجعل المنظومة الحاكمة هويتنا... حقيبة سفر ؟!


الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!