اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

اليوم، حرب أهلية في صناديق الاقتراع. حتى أئمة المساجد تحولوا، بقدرة قادر (قادر وقدير) الى أئمة الخنادق. الحرائق الطائفية في كل مدينة، وفي كل قرية، وفي كل شارع، وفي كل زاوية. ها هي قهقهات يهوذا وهو يرى لبنان، وبأيدي اللبنانيين، على الخشبة ...

الآن علمنا ان ما حدث لسعد الحريري ليس الاقصاء فحسب، ولا الركل بالأقدام فحسب، ولا اهانة الروح فحسب، ولا "اخلع ربطة عنقك يا ..." فحسب. ما حدث اغتيال موصوف. مثلما اغتيل الأب ساعة اغتيال اسحق رابين، اغتيل الابن ساعة سقوط "صفقة القرن" تحت أقدام من رفضوا أن يكون لبنان ماخوراً للحاخامات.

حدث ذلك بالتواطؤ مع المرتزقة الذين كانوا يتسكعون في أروقة قصر قريطم، قبل أن ينتقلوا الى التسكع في أروقة بيت الوسط. رفيق لرفيق الحريري قال لنا ان رئيس الحكومة الراحل كان يعلم، وهو يتأمل في عيون هؤلاء، من هو الانتهازي، ومن هو المتسول، ومن هو المتآمر ومن هو ... الجاسوس !!

قطعاً ليس بالأحد الكبير، ولا بالأحد الديموقراطي. انه الأحد الأسود، الأحد البشع، الذي توارى فيه الثرى بقايا الجمهورية. كل ما في الأمر أن على هذا الحطام البشري أن يعيد انتاج من حوّلونا، وحوّلوا الدولة الى حطام .

في الوجه الفلسفي أو الدستوري لتداول السلطة أن يتم ابدال الرؤى والمفاهيم والاستراتيجيات بأخرى. لكننا في دولة من دون مفاهيم، ومن دون رؤى، ومن دون استراتيجيات. الأهم من دون رجال دولة. ابدال الألواح الخشبية بألواح التنك، أو العكس

ولقد رأينا، دون الحاجة الى الأشعة ما تحت الحمراء، كيف تدار (وتدور) المقامات السياسية الدينية، بالأيدي الغليظة، وبالسيناريوات الملتبسة، وبحقائب منتصف الليل. احياناً، وكما نلاحظ، بحقائب منتصف النهار.

التأجيج الطائفي أشد هولاً من ذاك الذي شهدناه عشية الحرب الأهلية. هذا يعني أننا أمام مفترق بنيوي. نظام آخر أم صيغة أخرى أم دولة (ودويلات) أخرى؟

من يقرعون الطبول الآن، كون الطوابير تحملهم بالأوراق المعلبة، وبالرؤوس المعلبة الى التاريخ، قد نراهم بعد حين عراة حتى من ورقة التوت. رسام كاريكاتور مصري كان يقول عن رئيس أحد الأحزاب "ثمن هذا الرجل، من قمة الرأس وحتى أخمص القدمين، لا يساوي ثمن السروال الزهري الذي ترتديه فيفي عبده".

كم هناك من سياسي في بلادنا صالح فقط للاستعمال الخارجي. أحدهم قيل فيه "هل قرأتم قول هنري ميشو ان ذنب الفيل يظن أنه الفيل كله"؟

الانتقال بلبنان من حال الى حال، لا يعني الانتقال بنا من أرصفة الجحيم الى أرصفة النعيم. خوسيه ساراماغو تحدث عن "العناكب البشرية التي تضع يدها على القرن". ليته يعلم أي عناكب بشرية تطبق على أرواحنا ...

لو كانت لدينا تلك المنظومة السياسية التي تتمتع بالحد الأدنى من أخلاقيات رجال الدولة، لصنعت من لبنان النموذج، ومن اللبنانيين رواد الحداثة (أو حتى النيوحداثة). لكننا في تلك المنطقة التي بعث فيها (ربما سهواً) كل الأنبياء، ومع ذلك حين نرى الآخرين فوق خط الزمن، نبدو نحن تحت خط الزمن، وربما تحت خط العدم ...

الانتقال هنا يعني الالتحاق بالقافلة التي تدق أبواب أورشليم بالقفازات الحريرية، لا بالقبضات الحديدية التي تضع حداً لذلك العقل التلمودي (الاسبارطي) بسياسات الاقتلاع، والتدمير، والقتل، وإلغاء الآخر .

لا فارق في هذا السياق بين الايديولوجيا التي أنتجت أبا مصعب الزرقاوي، وأبا بكر البغدادي، وأبا ابراهيم القرشي، والايديولوجيا التي أنتجت مناحيم بيغن، وآرييل شارون، والآن نفتالي بينيت وبني غانتس...

هذا اذا أغفلنا الحاخام مئير كاهانا الذي كان ينظر الينا كحثالة "ترعرعت في قاع الجحيم "، وزئيف جابوتنسكي الذي سبق برنارد لويس في اعتبارنا "بضاعة قبلية آثرت صناعة الغيب لا صناعة التاريخ"...

هكذا نذهب اليوم الى صناديق الاقتراع. شظايا طائفية لا تؤسس لدولة، ولا تبني شعباً، بل تمضي بنا الى المقبرة. ألسنا ضيوف شرف على هذه المقبرة ؟!


الأكثر قراءة

ما هو عدد نواب التيار الوطني الحر في إنتخابات 2022؟