اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

اذا كان السفير الفرنسي الأسبق رينيه آلا قد قال، في لحظة انبهار، «لبنان ينتج اللبنانيين»، باستطاعة السفيرة آن غريو أن تقول، في لحظة احباط، «لبنان ينتج... اللالبنانيين» !

بطبيعة الحال، لا تنطبق علينا فقط نظرية سيغمند فرويد حول الضحايا الذين يعشقون جلاديهم. أيضاً، القتلى الذين يتعبدون (بالروح، بالدم ...) لقتلتهم. هذا بالتحديد الوباء الذي يضرب اللبنانيين، أكانوا من أتباع ليون تروتسكي أم كانوا من أتباع دوروثي شيا...

كل السفراء، دون استثناء، ينظرون الينا مثلما نظر دانتي، في «الكوميديا الالهية»، الى أولئك الذين رآهم في الجحيم «أناس لا يعيشون ولا يموتون». لا أحد منا يدري أين يضع قدميه أو أين يضع رأسه، بين الحياة والموت.

حتى خبراء البنك الدولي لم يعودوا يعرفون كيف يصفوننا، بعدما كانوا قد لاحظوا أن الكارثة التي تعصف ببلادنا هي الثالثة في تاريخ الكوارث الاقتصادية والمالية الكبرى منذ منتصف القرن التاسع عشر...

أي آلهة أولئك (أيها السيد الله) الذي حوّلونا الى كائنات من العصر الحجري، بعدما مضت بنا فيروز الى احدى ضواحي القمر، ورأى فينا سعيد عقل «شعب الله المختار». أرض الميعاد بامتداد خيالنا، وبامتداد عبقريتنا؟

كيف يمكن أن يكون المسيحي على خطى الناصري، وكيف يمكن للمسلم، أكان على الدين السني أم على الدين الشيعي، أن يكون على خطى الرسول العربي، ولا يحمل السيف، على الأقل يحمل العصا، وينزل الى الشارع؟ لا مكان في رؤوسنا (رؤوسنا المعلبة) للمسيح، أو لمحمد، أو حتى لتشي غيفارا، أو حتى للأم تيريزا. لقد خلت رؤوسنا كلياً من النيران. ما ترونها فوق أكتافنا لا تليق حتى أن تكون قباقيب غوار الطوشي.

بكل كبرياء ننتظر كراتين الاعاشة. لا وطن يحكمه أكلة لحوم البشر، ولا قضية لمواطن يقدم لحمه قرباناً لآلهة الخراب...

تأملوا ملياً في وجوهنا، وجوهنا الخشبية، حتى ولو تساقطت فوقنا كل حجارة الهيكل. أفواهنا أقفلها وزير الاتصالات، وعيوننا أقفلها وزير الطاقة. لا بلية أكثر من بلوانا حين نرى أولياء أمرنا لا يزالون على اجترارهم للعنة المحاصصة. حكومة للانقاذ أم حكومة لمصاصي الدماء؟

منذ سنوات، والديبلوماسيون والمراسلون الأجانب يتساءلون مذهولين أمام ذلك النوع من المخلوقات التي لم يشهدوا لها مثيلاً في كل ميتولوجيات الدنيا. هنا الميتولوجيا اللبنانية. آلهة، ونفتديهم بالروح وبالدم، لأنهم يرشقوننا من قصورهم بالحجارة، تماماً مثلما كان يهوه يرشق السابلة من كهفه بالحجارة. لا فارق هنا بين القصور والكهوف...

واثقون اياهم من أننا الموتى، ولن نخرج من موتنا، واننا الهياكل العظمية ننظر الى كراتين الاعاشة على أنها المنّ والسلوى. ثم نتحدث عن الخط 23 أو الخط 29. أين نحن (ع الحديدة) من «اسرائيل» التي تضع حكامها وراء القضبان، وبأطباق الحساء، لا بأطباق الكافيار، لسرقتهم حفنة من المال ؟ في لبنان، سرقوا حتى شواهد قبورنا ...

بالرغم من هذه الغابة من الجماجم الفارغة، والبطون الفارغة، ثمة من يتوقع أن نستيقظ، ذات يوم، (ولعله يوم القيامة) لننزل باقدامنا الى الشارع، سواء كنا من حملة الانجيل أم من حملة القرآن، وحتى من حملة قصائد نزار قباني أو من حملة أغنيات هيفاء وهبي، لنهدم الأوثان المستوطنة في داخلنا قبل أن تستوطن في الأبراج العالية...

يا للتفاؤل حين يكون ساذجاً أو غبياً الى هذا الحد ! لسنا أكثر من أوراق صفراء في مهب الرياح الاقليمية والدولية، دون أن نعلم، بـ»هالكم أرزة العاجقين الكون»، الى أين تمضي بنا الذئاب. ذئاب الداخل وذئاب الخارج.

تذكرون حديث الحجاج بن يوسف الثقفي عن الرؤوس التي أينعت وحان قطافها؟ رؤوسنا كرعايا (كضحايا) هي التي أينعت لا رؤوس الذين فوقنا. انها ـ أيها السادة ـ الميتولوجيا اللبنانية. آلهة الخراب لم يتركوا ثقباً لفأرة دون خراب... 

الأكثر قراءة

أعنف ردّ للاشتراكي على المنتقدين لجنبلاط واجتماعه بحزب الله : ما زالوا في الماضي العريضي لـ «الديار» : جنبلاط طرح إمكان المجيء برئيس للجمهورية لا يشكل تحدياً لأحد إدارة ١٤ آذار للملفات هي الأسوأ والبعض يريد الحلول على «الساخن»