اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يمكن وصف الاستحقاق الرئاسي، بعبارة «رئاسة جمهورية بمرشحين كثر»، اذ ارتفع العدد المتداول بالاسماء كثيرا ، الجدية منها او للتسلية، ومرّ في انتخابات رئاسية سابقة اسماء لمرشحين، كانوا بمثابة «مزحة» او «انكلة» باللغة الشعبية، لكن الانتخاب الفعلي لرئيس الجمهورية، قد يتم في الربع الساعة الاخير، ويهبط على اللبنانيين مَن لم يكن يتوقعون ان يكون رئيسهم، او جرى التداول باسمه حتى، فنام شخص على ان ترشيحه ثابت لرئاسة الجمهورية ليستيقظ وقد شطب اسمه ليحل بديلا عنه، هذا ما حصل في العام 1952، مع حميد فرنجية الذي كان معارضاً لعهد الرئيس بشارة الخوري، وانه سيسمى من «الجبهة الاشتراكية الوطنية» التي تبنت كميل شمعون احد اركانها، حيث لعب كمال جنبلاط العضو فيها مع حزبه «التقدمي الاشتراكي» في وصول شمعون، الذي حصل على دعم بريطاني ـ سوري في العام 1952.

فرئيس الجمهورية قد ينتخب في اللحظة الأخيرة، كما حصل ايضاً مع عبد العزيز شهاب، والذي امّن وصوله الى رئاسة الجمهورية بدعم من «الشهباية السياسية» او حركة «النهج»، ليحل مكانه شارل حلو رئيساً للجمهورية، بدعم شهابي وتأييد مصري ـ فرنسي.

فانتخابات رئاسة الجمهورية التي يقال بانها لا تُصنع في لبنان، هي الحقيقة المقرونة بالوقائع التاريخية والاثباتات الموثقة، وهو ليس خطأ شائعا، بل هو ما حصل خلال العقود العشرة الاخيرة، منذ ولادة «دولة لبنان الكبير» في اول ايلول 1920.

و»لبننة» الاستحقاق الرئاسي، هو ما يتمناه ويأمله اللبنانيون، لكن «لا تجري الرياح بما تشتهي السفن»، فالرغبات شيء والوقائع شيء آخر، يقول مرجع في التاريخ ومتابع لانتخابات رئاسة الجمهورية، فيؤكد بان ما قيل عن ان صناعة رئيس الجمهورية تتم في الخارج هو صحيح، مع الاخذ في عين الاعتبار الشأن الداخلي اللبناني، المرتبط بمحاور خارجية لها تأثيرها في اختيار رئيس للبنان، وهذا ما حصل مع انتخاب اول رئيس للجمهورية في العام 1943 بشارة الخوري الذي حظي على دعم بريطاني، وتم اسقاط مرشح فرنسا اميل اده، وتداعيات ما حصل في ظل صراع بريطاني ـ فرنسي على لبنان، حيث استمر القرار البريطاني في اختيار رئيس الجمهورية، فكان كميل شمعون، الذي نال تأييد الرئيس السوري اديب الشيشكل بعد العصيان المدني ضد عهد بشارة الخوري، وفرض الاستقالة عليه بسبب الفساد والتزوير الذي ساد عهده.

وانتخاب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية بموافقة اميركية ـ مصرية، او ما سمي تفاهم الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع الموفد الاميركي ريتشارد مورفي الاول، وخسر شمعون التجديد له، وهو الذي كان في صلب المشروع الاميركي لمنطقة الشرق الاوسط، بما عُرف «مشروع ايزنهاور» ثم حلف بغداد.

وتوالت التسميات الخارجية لرؤساء الجمهورية من خلال وكلاء لبنانيين، فكان انتخاب شارل حلو امتداداً للصراع الدولي على لبنان ثم سليمان فرنجية في العام 1970 الذي كان انتخابه لبنانياً، الا ان دخول روسيا على الساحة اللبنانية عبر الاحزاب اليسارية رجّح فوز فرنجية على الياس سركيس، الذي اعيد انتخابه عام 1976 بقرار سوري وتأييد «الجبهة اللبنانية» له، ضد ريمون اده مرشح «الحركة الوطنية اللبنانية» وتأييد «المقاومة الفلسطينية» ومحورهما الخارجي.

ووصل بشير الجميل في العام 1982 الى رئاسة الجمهورية، بدعم الاحتلال الاسرائيلي وموافقة اميركية وخليجية، فاغتيل ولم يصل الى القصر الجمهوري، فاكمل شقيقه امين عهده، الذي انتهى بفراغ رئاسي وحكومة عسكرية ترأسها قائد الجيش العماد ميشال عون بعد رفض اتفاق حافظ الاسد ومورفي بتسمية مخايل الضاهر، ولم ينته هذا الوضع الا بعد اتفاق الطائف ووقف الحرب الاهلية، فانتخب عام 1990 رينه معوض برعاية الدول التي انتجت اتفاق الطائف، لكن اغتياله شكل صدمة، فانتخب الياس الهراوي بموافقة سورية وتم التمديد له في العام 1998 بقرار سوري، وخلفه قائد الجيش العماد اميل لحود بتأييد سوري مطلق وتمديد لعهده ثلاث سنوات (1998 ـ 2007)، ليخلفه العماد ميشال سليمان عام 2008 بعد اتفاق الدوحة الذي رعته قطر وايدته دول اخرى، ونتج عنه تسوية رئاسية، فخرج منها العماد ميشال عون لينتخب بتسوية في العام 2016 وافق عليها سعد الحريري، بعد فراغ رئاسي دام عامين ونصف العام، وحصل على تأييد فرنسي ـ اميركي ـ ايراني ـ سوري وقبول سعودي.

فسرد كل هذه الوقائع من تاريخ انتخابات رئاسة الجمهورية، للاشارة الى ان للخارج تأثيره المباشرعليها، وان ما اعلنه رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، بان لا علاقة للخارج في الاستحقاق الرئاسي يدخل في اطار الامنيات، لكن التاريخ يسجل الافعال لا الامنيات، ويكفي ان يستعيد جعجع انتخاب بشير الجميل وهو مؤسس «القوات اللبنانية»، وكيف وصل والزيارات والاتصالات التي قام بها الى الخارج، من واشنطن الى باريس والرياض وتواصله مع القيادة السورية، للتأكيد على ان رئيس الجمهورية يُصنع في الخارج، ومن يرفض تأثير الخارج يقاطع الانتخابات، او يشارك فيها بمرشح آخر، وهذا ما جرى في بعض الاستحقاقات.

ما زال لبنان قاصراً عن صناعة رئيس جمهوريته لعوامل عدة، منها فتح المسؤولين فيه، ساحته للصراعات الخارجية ولعبة الامم، لان لبنان الدولة كان صناعة فرنسية.

الأكثر قراءة

مدّوا أيديكم الى حزب الله