اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

من تراه يشكك في كون «اسرائيل» المثال في الانغلاق الايديولوجي، مثلما هي المثال في التعفّن الايديولوجي. هذا ما جعل ناعوم تشومسكي يتساءل عن «الغباء الغربي» في فتح الأبواب أمام دافيد بن غوريون لبناء مفاعل ديمونا، وبالتالي لصناعة القنبلة النووية التي لن تتردد «اسرائيل»، وبدافع توراتي، في استخدامها...

السياسات الأميركية، ومنذ أكثر من نصف قرن، تمحورت حول تحويل الدولة العبرية الى أرمادا عسكرية، تزامناً مع التألق التكنولوجي والتألق الاقتصادي، وان كانت هناك عوامل مختلفة أدت الى ذلك، من بينها امساك اليهود بالأسواق المالية الكبرى في العالم.

على امتداد القرن المنصرم لم تنظر الحكومات الغربية، على ضفتي الأطلسي، الى البلدان العربية أكثر من كونها ظواهر آنية غير قابلة للتفاعل مع ديناميات الحداثة، وقد تكون أكثر قابلية للانفجار أو للتفكك، ما دامت المفاهيم الغيبية فيها تتقاطع مع المفاهيم القبلية.

مؤلفات قليلة غاصت في عمق المشكلة (هل هي الضحالة الفكرية حقاً؟). ليست البداوة وحدها ما حال دون الدخول في لعبة القرن. ديزموند ستيوارت تحدث كثيراً عن الدور الأميركي في ذلك، ومنذ أن لاحظ فرنكلين روزفلت أن المنطقة تطفو فوق أوقيانوس من النفط، من يسيطر عليه انما يسيطر على مفاصل القوة في الكرة الأرضية...

شمعون بيريز، وكان اليد اليمنى لبن غوريون (دوره المكوكي في ملف ديمونا) اتهمه «الحاخامات» بالعبث، وحتى بتخريب الارث الالهي لليهودية حين حصر الحدود الجغرافية «لاسرائيل» بالضرورات الاستراتيجية، مشدداً على الحدود الاقتصادية باعتبارها حدود المستقبل.

المثير، في هذا السياق، أن ثمة ساسة ومفكرين عرباً (ان وجدوا)، يروجون لتلك الفكرة الهائلة حول شرق أوسط يكون بمثابة «فردوس للآلهة»، بحسب تعبير أرنولد توينبي. كيف؟ بالمزاوجة بين الأدمغة اليهودية والثروات العربية. الأدمغة الخلاقة والثروات التائهة.

ولكن ألم يلاحظ المؤرخ شموئيل صاند، مؤلف كتاب «كيف تم اختراع الشعب اليهودي»، أن دولة تقوم على القاعدة الكلاسيكية للقوة دولة قابلة للاندثار. حدث ذلك للأمبراطورية الرومانية، كما لأمبراطورية جنكيز خان، ولأمبراطوريات أخرى. سأل ما اذا كان هناك من شبه بين بنيامين نتنياهو أو ايهود باراك، وكل من نابليون بونابرت وأدولف هتلر اللذين ابتلعتهما الثلوج على أبواب موسكو.

ماذا نرى الآن سوى صرير الأسنان، اسنان الضباع؟ ذروة الأداء البربري على الأرض، وحيث القتل للقتل. الغاية تدمير حياة الفلسطينيين ليرحلوا «الى جهنم، وفي يدنا مفاتيح جهنم»، الكلام للحاخام مئير كاهانا. قطعاً لا يختلف عنه الحاخامات الآخرون...

مقابل كل هذا «ثقافة العار» التي تسللت، بل واستوطنت العقل العربي. مفكرون ومثقفون واعلاميون يلاحظون الآن أن كل الدول العربية التي خاضت اختبار القوة مع «اسرائيل» منيت بهزائم رهيبة ما زالت آثارها حتى الآن. استطراداً، لاواقعية الفصائل، أو الحالات، الفلسطينية التي تواجه الاحتلال، وحيث تنتفي كلياً معادلة التوازن، الحد الأدنى من التوازن، بين الجانبين.

بثقافة العار اياها، مقارنة بائسة بين عدد الضحايا لدى كل من الفلسطينيين و»الاسرائيليين». الخسائر ايضاً في الممتلكات وفي الأعمال وفي المنشآت.

انطلاقاً من هذا المنطق، هل كان هناك توازن بين جبهة التحرير الجزائرية وجيش الاحتلال الفرنسي؟ وهل كان هناك توازن بين الفيتكونغ والترسانة العسكرية الأميركية؟ حتى على المستوى العربي، هل كان هناك الحد الأدنى من التوازن بين المقاومة في لبنان، وآلاف القاذفات، والدبابات، الاسرائيلية؟

هنا الانسان هو المحور، وهو الذي يعيد بدمه صياغة التاريخ، وحتى ما فوق التاريخ. مؤرخون كثر اشاروا الى التردي السيكولوجي لدى الفرنسيين ولدى الأميركيين، وبطبيعة الحال لدى «الاسرائيليين» الذين يرون، أكانوا من أتباع اسبارطة، وهم الأكثرية، أم كانوا من اتباع أثينا، وهم الأقلية، في الصواريخ التي تطلق عليهم، وفي السكاكين التي تلاحقهم، التهديد الوجودي.

جدعون ليفي اعترف بأن المسألة ليست في ما تصنعه الصواريخ، وفي ما تصنعه السكاكين، بل في أولئك الفلسطينيين، «الحرائق التي لا تنطفئ»، هي من تحرق «اسرائيل» اليوم، وغداً، وبعد غد... 

الأكثر قراءة

سليمان الجد يحتضن سليمان الحفيد