اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب
الحركة الدبلوماسية النشطة في بيروت بفعل زيارة المبعوث الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان، كانت حركة دون «بركة»، كونها تاتي في «الوقت الضائع» بين هدنة غزة ومعها جبهات المساندة، والافق المفتوح على كافة الاحتمالات في المنطقة في ضوء عدم الوصول بعد الى صيغة واقعية تخرج كيان العدو من مأزقه الحالي، بعد ان اخفق خلال 50 يوما في تحقيق اي انجاز عسكري او سياسي يسمح له «بحفظ ماء» وجهه «للنزول من اعلى الشجرة» والذهاب الى وقف كامل لاطلاق النار، ولذلك «فالعيون» شاخصة الى الدوحة حيث تعقد الاجتماعات الاستخباراتية على اعلى مستوى في محاولة لرسم توازنات القوى في المنطقة. ولان مستقبل التطورات غير واضح المعالم، لا يمكن فصل الساحة اللبنانية عما يدور من حولها، خصوصا انها جزء لا يتجزأ من المواجهة الميدانية، وكذلك الدبلوماسية، في منطقة يجري رسم معالمها الجديدة في ضوء موازين القوى الجديدة. ولهذا خرج لودريان «بخفي حنين» رئاسيا، ولم يجد طرح الخيار الثالث الصدى المطلوب لدى احد من القوى السياسية في غياب التبني الصريح والواضح من قبل باريس لقائد الجيش جوزاف عون على الرغم من انضمامها الى القوى الدولية الداعية لتمديد ولايته على رأس المؤسسة العسكرية، وفي غياب اي اشارة صريحة او مكتومة من قبل «الثنائي الشيعي» باستعدادهما للتخلي عن ترشيح رئيس تيار المردة سليمان فرنجية. اما بالنسبة للقرار 1701 ومحاولة الضغط على الجانب اللبناني للالتزام به، بما يعيد الطمانينة الى مستوطني شمال فلسطين المحتلة، فكان الطرح مجرد «ثرثرة» لا طائل تحتها في ظل الوقائع الميدانية السائدة راهنا، وغياب اي وزن سياسي للفرنسيين الذين لم يحصلوا من حزب الله على اي التزامات حول الجبهة اللبنانية في ظل التبني المستمر لاستراتيجية «الغموض البناء» في التعامل مع الحرب التي لم تنته فصولها بعد. وفي هذا السياق، كشف الاعلام الاسرائيلي عن توجهات داخل الكونغرس الاميركي لتفعيل موضوع تهجير الفلسطينيين من غزة الى الدول المجاورة مقابل «رشوة» مالية، ولعل اخطر ما في هذا الطرح القياس على نجاح النازحين السوريين في التأقلم في الدول التي نزحوا اليها ومنها لبنان، للبناء على هذه السابقة للترويج لفكرة «النكبة» الجديدة.

لودريان يفتقد «خطة»

ووفقا للمعلومات، انتهت لقاءات «جس النبض» الفرنسية مع القوى السياسية اللبنانية الى لا شيء مع استمرار من التقاهم في تقاذف المسؤوليات بالتعطيل ورفض الحوار، والجميع كان يقول للمبعوث الفرنسي «الكرة ليست في ملعبنا بل في ملعب الطرف الآخر»، وعندما كان يطرح خيار الذهاب إلى خيار ثالث، كان يرفض الدخول في تسميات، وعلى عكس ما روج له البعض، لم يسمع خلال لقائه مع رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد اي وعد بالتفكير في هذا الخيار، وهي نقطة جوهرية كان يسعى اليها لودريان للبناء عليها في الزيارات المقبلة. اما قوى المعارضة فانها لم تمانع البحث في الخيار الثالث، لكنها كانت «متوجسة» في ظل عدم طرح اسم بديل وابلغت المبعوث الفرنسي انه حين  تنضج ظروفه ، فالامر قابل للبحث، فليس اي خيار ثالث قد يكون مقبولا، وعندما تطرح الاسماء يمكن القبول بها او رفضها بناء على مواصفات معينة. وهذا مشروط اولا بتراجع فريق «الثنائي» عن ترشيح فرنجية. وهذا الامر لم يحصل بعد. ويبقى السؤال: هل من خطة عملية لدى لودريان؟ لا يبدو ذلك، بحسب مصادر مطلعة، فهو وعلى الرغم من حرصه على التأكيد انه لا يعمل بمنأى عن «مظلة» المجموعة «الخماسية» ولا يتناقض تحركه مع حراك الموفد القطري، فان كلامه لا يقترن «بخارطة طريق» واضحة، فلقاؤه في المملكة العربية السعودية، المستشار في رئاسة مجلس الوزراء السعودي المسؤول عن الملف اللبناني، نزار العلولا، لم يحمل اي تغييرات في الموقف السعودي،  وهو اكتفى بالتأكيد ان زيارته لن تكون الاخيرة وسيعود بعد تحليل الموقف مع الدول المعنية بالملف اللبناني، مجددا التاكيد ان اي تسوية ستكون في اطار اللجنة الخماسية وليس بخطة فرنسية. لكن من التقوا لودريان الذي تحدث عن زيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى الدوحة، لم يلاحظوا ان هذا التفويض يمنح المبعوث الفرنسي الثقل المطلوب لاحداث اختراق في حالة الاستعصاء اللبناني.

التزام لا تعديل الـ 1701؟

 اما في ملف الحرب المفتوحة مع «اسرائيل»، فكرر لودريان تحذيراته من الوضع الخطر جنوبا، ودعا الى ضرورة تثبيت الهدوء ومنع تصاعد المواجهات، ودعا حزب الله لـ «الالتزام بتطبيق القرار 1701» والعودة الى القواعد التي كانت تحكم الجبهة الجنوبية قبل 7 تشرين الأول الماضي، دون ان يطرح صراحة تعديل القرار في ما يتعلق بصلاحيات قوات «اليونيفل». وقد تبلغ صراحة خلال لقائه في حارة حريك بان من يخرق القرار هو «اسرائيل»، ويجب وقف عدوانيتها على غزة وعلى الاراضي اللبنانية، ولبنان ليس معنيا بايجاد حل لمشكلة العدو الإسرائيلي  الذي يواجه معضلة رفض سكان المستوطنات الشمالية العودة إليها بسبب وجود حزب الله على الحدود.

واشنطن تدخل على «الخط»

وواكبت السفارة الأميركية في بيروت طروحات لودريان بتغريدة على حسابها عبر منصة «إكس» حرصت خلالها على عدم الحديث عن اي تعديل للقرار 1701 بل تطبيقه وقالت: «لا نزال نشعر بالقلق إزاء احتمال امتداد هذا الصراع إلى ما هو أبعد. وعلى وجه الخصوص، لا تريد الولايات المتحدة رؤية صراع في لبنان، حيث سيكون للتصعيد آثار خطرة على السلام والأمن الإقليميين، وعلى رفاهية الشعب اللبناني. إن استعادة الهدوء على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية أمر في غاية الأهمية». وأضافت «يشكل التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 1701 عنصراً رئيسياً في هذا الجهد». وتابعت السفارة الأميركية «تؤدي اليونيفيل دوراً حيوياً على طول الخط الأزرق، ونتوقع أن تعمل جميع الأطراف على ضمان سلامة قوات حفظ السلام».

رد حاسم من حزب الله

وكانت جولة لودريان، بقيت في يومها الثاني، الحدث السياسي في الداخل. هو استهل نشاطه صباحا من حارة حريك حيث التقى، يرافقه السفير الفرنسي هيرفي ماغرو، رئيسَ كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، في مقر الكتلة في حارة حريك،وهو لقاء لم ينته الى اي جديد، بينما حافظ لودريان على «الشكليات» بتقديمه العزاء لرعد باستشهاد نجله. وكان النقاش الاهم حول الوضع في الجنوب، وعندما طرح لودريان مسألة تطبيق القرار 1701 بحذافيره، ابلغه رعد ردا حاسما مفاده ان لبنان هو من يحتاج الى ضمانات من «اسرائيل» وليس العكس، والامر مرتبط بتطورات غزة. اما رئاسيا فلم يحصل اي تغيير في موقف الجانبين، ولم يقدم لودريان اي جديد يمكن البناء عليه. لكن الجديد كان تحذيره من الشغور المرتقب في قيادة الجيش وقد جرى نقاش عام حول الحلول الممكنة بهذا الشأن.

خلاف حول «التمديد»

بعد ذلك توجه لودريان الى ميرنا الشالوحي حيث التقى رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل وغادر من دون الادلاء بتصريح. ولم يدم لقاء لودريان باسيل الا 7 دقائق، وقد غادر الموفد الفرنسي بعد خلاف على طرحه ضرورة التمديد لقائد الجيش جوزاف عون. ووفقا للمعلومات، فوجىء باسيل بطلب الموفد الفرنسي التّمديد لقائد ​الجيش، فكان جوابه أنّ هذا الأمر مخالف للدستور والقوانين وشأن لبناني داخلي، وأنّ «التّيار» لن يكسر المبادئ الّتي طالما سار على أساسها». وقد انتهى اللقاء المتوتر خلال وقت قصير على بدئه بعدما باتت الاجواء متشنجة. ومن ميرنا الشالوحي توجه الى الصيفي حيث التقى رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل الذي رأى ان المشكلة ليست عند المعارضة، بل عند حزب الله المتمسّك بمرشحه والرافض لأي كلام حول اسم آخر. وقد لبى النائبان ميشال معوض وفؤاد مخزومي دعوة الموفد الفرنسي الرئاسي إلى غداء عمل في قصر الصنوبر ، في حضور السفير ماغرو. كما التقى لودريان في قصر الصنوبر النواب مارك ضو وميشال دويهي ووضاح الصادق. وفي السياق، قال ضو في حديث صحافي: لودريان أكد انه لم يلمس اي اصرار لدى أي طرف على مرشح رئاسي معيّن والكل منفتح على الخيار الثالث، ونحن أكدنا على ضرورة الانتقال الى مرحلة الأسماء. والتقى لوريان ايضا كتلة «الاعتدال الوطني» عند الخامسة والنصف. 

اهتزاز الهدنة جنوبا

ميدانيا، اهتز الهدوء على نحو محدود في الجنوب امس، وحصلت بعض الخروقات امس، وسمعت  أصوات انفجارات في المناطق الحدودية تبين انها دوي صواريخ اعتراضية  للقبة الحديدية، وقد سقطت القذائف الإسرائيليّة عند أطراف بلدة رامية ورميش. وكان الجيش الإسرائيلي زعم قبل الظهر حصول تسلّل طائرة مسيّرة من لبنان. وذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أنّ صفارات الإنذار دوّت في الجليل الأعلى. واعلن الجيش الإسرائيلي انفجار صاروخين اعتراضيين من القبّة الحديديّة فوق أطراف بلدة رميش الحدودية. وقال ان مقاتلاتنا اعترضت تهديدا جويا اجتاز الأراضي اللبنانية باتّجاه «إسرائيل». وحلقت مسيّرات إسرائيلية على علو منخفض فوق بلدات جنوبية. وسجل سقوط 6 قذائف إسرائيلية معادية بالقرب من موقع قوات اليونيفيل الدولية في أطراف مروحين وأخرى في أطراف بلدة راميا. وفي موقف استغربته مصادر حكومية ورأت فيه كلاما «استفزازيا» في غير مكانه وفي توقيت «غير موفق» ويحمل في طياته خلفيات غير «بريئة»، اعتبر رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، في بيان «إن الملايين العشرة التي وعدت بها الحكومة تعويضًا للأضرار التي لحقت بالمواطنين والممتلكات في الجنوب من جراء تبادل القصف الصاروخي والمدفعي بين حزب الله و»إسرائيل»، يجب أن يدفعها الوزراء الذين صوّتوا على هذا القرار من جيوبهم، ذلك أنّ أكثرية، وأكثرية كبيرة من الشعب اللبناني لم تفوِّض أحدًا بإطلاق الصواريخ من لبنان على إسرائيل حفاظًا على دوره الإقليمي»!

عشرة ايام من القتال؟

ووفقا لاوساط دبلوماسية، فان الانظار لا يجب ان  تتوجه حول مهمة لودريان في بيروت، وانما يجب تكون على مهمة الزيارة الرابعة لوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الذي شارك بالامس في اجتماع الكابينيت الإسرائيلي، ودعا «اسرائيل»  قبل زيارة رام الله، الى تجنب الاضرار بالمدنيين في جنوب غزة، ما اوحى باحتمال استئناف الحرب. اما المهمة الاكثر اهمية فهي التي يقودها رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية وليام برنز الذي لم يغادر المنطقة، والتقى عدة مرات رئيس الموساد ووزير المخابرات المصرية عباس كامل ومسؤولين قطريين في الدوحة. ولفتت تلك المصادر ان ما يتم بحثه يتجاوز مسألة الهدنة وتبادل الدفعات المتتالية من تبادل الأسرى، فما يتم تداوله يرتبط باليوم التالي للحرب على مختلف الجبهات ومنها لبنان وليس فقط غزة التي قد تشهد جولة عنف جديدة لمدة عشرة ايام طلبتها «اسرائيل» لتحقيق «انجاز» على الارض يساعدها في تبرير وقف الاعمال القتالية امام الجمهور الاسرائيلي.

معضلة نتانياهو

 ووفقا للاعلام الاسرائيلي، يجد نتنياهو نفسه أمام معضلة قاسية عالقاً في لعبة «شد حبال» بين وزراء متطرفين ومؤسسة عسكرية ترغب بمواصلة الحرب لمسح «عار السابع من أكتوبر»، وهو شخصياً يميل مع هذا الطرف مقابل ضغط معاكس هو خارجي بالأساس من جهة الولايات المتحدة. واشنطن، بعد نحو الشهرين على الحرب، تلاحظ أن «إسرائيل» لم تحقق الهدف، على الرغم من الدعم الدبلوماسي والعسكري والمالي المفتوح، وتضطر الى مواصلة التدخل الفعال لحمايتها من أعدائها ومن نفسها، وهي تنشغل في الوقت نفسه بمشاغل أخرى، منها داخلية وتتعلق بانتخابات الرئاسة المقبلة، وباتت الحرب على غزة تثقل عليها ، وهذا واحد من حساباتها الحالية المتحفظة من تجديد الحرب وفق اجندة مفتوحة، خاصة مسألة التوغل البري. ولفتت صحيفة «هآرتس» الى ان وقف الحرب الآن، ودون مكسب عسكري حقيقي عدا الدمار والتدمير، من شأنه أن يعود بالسلب على صورة ومستقبل الحكومة، لا على «اسرائيل» كدولة فقط، لا سيما أن شعبيتها بالحضيض أصلاً، وبعض أحزابها يهدد بتفكيكها إذا ما توقفت الحرب دون تدمير حركة حماس. وهذا ما يدفع المحلل العسكري في الصحيفة عاموس هارئيل، الى القول ان «إسرائيل» اقتربت من الحائط، ومن لحظة الحقيقة في هذه الحرب، لافتاً إلى أن «حماس» أحرزت مكسباً عسكرياً في السابع من أكتوبر، وتتطلع لوقف دائم للنار، واستعادة كل الأسرى، ما سيعزز مكانتها. وفي المقابل يرى أنه على «إسرائيل» أن تتخذ قراراً حاسماً في الأيام المقبلة.

خطة التهجير على «الطاولة»؟

اما الاخطر فيبقى ما كشفته صحيفة «إسرائيل اليوم»، من خطة جديدة يعدها الكونغرس الأمريكي تربط بين تقديم مساعدات مالية كبيرة لعدد من الدول العربية على رأسها مصر، مقابل قبول لاجئين من غزة. وفيما يحاول واضعو الخطة إبعادها عن التداول الإعلامي، لفتت الصحيفة الى انها عرضت على كبار أعضاء مجلسي النواب والشيوخ من الحزبين الديموقراطي والجمهوري. والخطة التي يروج لها عضو مجلس النواب الأميريكي جوي ويلسون تشير الى تخصيص مليار دولار من المساعدات الخارجية لمصلحة اللاجئين من غزة الذين سيسمح لهم بدخول مصر.على الا تكون مصر تكون الدولة الوحيدة التي يجب عليها استقبال اللاجئين، بل يكون العراق واليمن ضمن الخطة مقابل نحو مليار دولار من المساعدات الخارجية الأميركية، على ان تتلقى تركيا  ايضاأكثر من 150 مليون دولار. وأضافت الصحيفة أن كل دولة من هذه الدول ستتلقى ما يكفي من المساعدات الخارجية ولديها عدد كبير من السكان، بما يكفي لتتمكن من استيعاب اللاجئين الذين يمثلون أقل من 1% من سكانها. وتفصّل الخطة عدد سكان غزة الذين ستستقبلهم كل دولة: مليون في مصر (أي 0.9 % من السكان هناك)، ونصف مليون في تركيا (0.6 % من الأتراك)، و250 ألفا في العراق (0.6%)، و250 ألفا في اليمن (0.75 % من اليمنيين).وفي مقارنة «ساذجة» «وخبيثة» في آن واحد قارنت الصحيفة المقربة من نتانياهو بين النزوح السوري الذي استوعبته دول المنطقة والتهجير القسري المفترض للفلسطينيين، واشارت الى إنه منذ عام 2011 فرّ 6.7 ملايين سوري من سوريا في جميع أنحاء البلدان المحيطة، وتم نقل 3.2 ملايين لاجئ سوري إلى تركيا، 789 ألفا إلى لبنان، و653 ألفا إلى الأردن، و150 ألفا إلى مصر، فيما استقبلت بلدان أخرى في الشرق الأوسط وأوروبا مئات الآلاف، وقد تم استيعاب هؤلاء دون مشاكل؟!

الأكثر قراءة

هكذا انتصرت مخابرات المقاومة