اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

الحدث الفلسطيني "الغزاوي" ليس حدثاً بسيطاً لا في الشكل ولا في المضمون، لا في المكان ولا في الزمان، هو حدث نوعي بكل المقاييس يتطلب قدرة فائقة ثلاثية ورباعية الأبعاد لقراءة طبيعته، واقعه، ظروفه، معطياته، تقاطعاته، تداعياته ومآلاته المستقبلية.

ولا يمكن –بطبيعة الحال- اخراج الحدث الغزاوي من السياق التاريخي المستمر فصولاً منذ أكثر من 7 عقود في أعنف وأقسى مأساة انسانية يعيشها شعب على وجه هذه البسيطة ولا سيما أنها تطال أساسيات وجوده كهوية وانتماء وكينونة وصيرورة مهددة بالاضمحلال والفناء.

وهذا بالضبط يعطي للكثير من الأسئلة مشروعية الطرح في زمن التحولات الكبرى على مستوى العالم وفي مرحلة انتقالية حرجة ومتحركة لنظام عالمي جديد لم تتوضح بشكل نهائي توازناته الدولية بعد.

1- السياق التاريخي لحركة الصراع

لا يمكن النظر الى التاريخ العالمي من زاوية جزئية، وانما من موقع الشمول في الرؤية النظرية والعلمية، وكل ذلك على ضوء الحقائق الاجتماعية الكبرى. بهذا المعنى، لا بد من مرتكز فكري وعقائدي لرؤية الأحداث وتحليلها والاضاءة على مضامينها ومؤدياتها في تاريخ الصراع الذي خاضته حركات التحرر القومي على المدى العالمي المفتوح والمتميز بدينامية عالية، والذي شهد تغيرات متسارعة في الزمان والمكان، خضعت دوماً لظروف الواقع القومي المتنوع تنوع الأمم والمجتمعات والمتحدات التي يتشكل منها هذا العالم.

قد تطفو على السطح أحداث معينة في لحظة ما، وتدخل عوامل جديدة على الصراع القائم في بلادنا وحول العالم، ولكن تبقى حقائق الصراع الأساسية ماثلة أمام العيان، وتفرض مضامينها على كل جوانب الصراع.

ما هي طبيعة الصراع مع كيان الاستيطان الصهيوني؟ ما هي جذوره؟ ما هي أبعاده المختلفة؟ ما هي تداعياته؟

لماذا نطرح هذه الأسئلة؟ ببساطة، لأن طبيعة الصراع نغرض نفسها على طبيعة المواجهة وعلى خططها وآلياتها وأساليبها ووسائلها وهي التي تعيد تصويب المسائل المتعلقة بهذا الصراع.

نحن أمام غزوة استيطانية قلما عرفها التاريخ الانساني في حجم وحشيتها وعنصريتها واجرامها واستهدافاتها التي تفوق التوقعات.

لم يقم هذا الكيان بين ليلة وضحاها بل كان حصيلة لمسار تاريخي بدأ مع المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897، واستمر فصولاً وفي محطات مختلفة ومتعددة مع سايكس بيكو ومع وعد بلفور، وهي وقائع معروفة ومسندة بالتواريخ والمضامين والاستهدافات والآليات التي اندرجت في سياقات المشروع الصهيوني.

هذا في المسار التاريخي وتسلسل الأحداث، أما في الخلفية الفكرية والعقائدية التي شكلت الخلفية لكامل المشروع الصهيوني، تبدو واضحة السردية التوراتية – التلمودية في كونها تشكل المرتكز الأساسي للمشروع الصهيوني، طبعاً مع تقاطعاته الاستعمارية والوظيفية لهذا الكيان لاحقاً.

بيد أن السياق التاريخي لحركة الصراع مع هذا الكيان الاستيطاني ومع كل بنيته الفكرية لا يتوقف على "الأساطير والخرافات المؤسّسة ل "دولة اسرائيل" كما وصفها الكاتب والمؤرخ الفرنسي روجيه غارودي، بل ان هذا السياق التاريخي تقاطع مع المشاريع الاستعمارية للدول الاستعمارية الكبرى من فرنسا وبريطانيا في أوروبا الى الولايات المتحدة الأميركية في مرحلة لاحقة، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية والعقود التي تلت، وهذا ما حقق التزاوج بين المشروع الصهيوني بخلفيته التوراتية – التلمودية مع خرائط السيطرة الاستعمارية وخطط الالحاق والتبعيةوالتي غدت نهجاً استعمارياً ثابتاً لهذه الدول مع شعوب العالم وخاصةً في منطقتنا.

1- اشكالية الاحتواء لحركة الصراع القومي

الاشكالية الحقيقية التي واجهتنا مع هذا الكيان وفي المراحل الأولى لقيامه تمثلت في عدم خوضنا الصراع بالارتكاز الى بنية تاريخية سياسية اجتماعية تاريخية موحدة، فتعرضت حركة المقاومة لمحاولات احتواء أو استلاب فكري وسياسي وجزئي مما عطّل فاعلية المواجهة والقدرة على الصمود والقدرة على اسقاط المشروع برمته.

في سياق متصل، ومع صعود الفكر الماركسي (الشيوعي) في النصف الثاني من القرن العشرين كانت محاولات حثيثة لاحتواء حركات التحرير القومي من الصين الى فيتنام الى كوبا، الى المشرق العربي، الى مصر الناصرية، وكان الهدف اعطاء النضال القومي التحريري بعداً طبقياً أحادياً ومجتزءاً لواقعه وطبيعته وحقيقته، بيد أن قواعد المواجهة وطبيعة الصراع نفسه في مواجهة الغزوة الاستيطانية الاحلالية الصهيونية كانت بمثابة رد قاطع على كل هذه الأطروحات، مما أعاد مركزة الصراع وفكره القومي الثوري على محوره  القومي الطبيعي، ولكن دون تجاهل شموله أو تقاطعه مع المسألة الاجتماعية ودون حصر أو تجاهل ارتداداته وتفاعلاته  وتأثيراته على مجمل حركات التحرر للأمم والشعوب عامةً.

ومن نافل القول، أن الثورة القومية التحررية وان كانت محددة بزمان ومكان، ولكنها بالتالي ثورة أمة ووطن معينين، فان مصالح الشعوب القومية الثائرة ضد الاستعمار  في العالم كله تتلاقى على الظاهرة القومية الثورية التي يعطيها كل مجتمع من ذاتيته ومشاكله وحلوله وأشكال الصراع، تنوعاً في الخصائص، على شراكة في الظاهرة.

فعالية البعد القومي للصراع هي الأطروحة التي تلفت انتباه العالم المعاصر بعد أن أثبت الواقع القومي والظاهرات  المعبرة  عنه، أنه واقع الانسانية في مجتمعاتها، وبالتالي له خاصية الشمول الانساني اذ أن الثورة القومية هي ظاهرة معاصرة يحيا اختبارها عدد كبير من المجتمعات في العالم كله.

أما المسألة الأخرى المتصلة بالصراع والتي شكلت حالة احتواء أو اجتزاء لطبيعة الصراع تعود الى اختصار الصراع بالبعد الديني، وبالتالي اعطائه طبيعة دينية وهذا ما يناقض طبيعة الصراع رغم اتصاله –بمعنى من المعاني- بصراع المفاهيم الدينية والروحية والحضارية.

صحيح، أن جانباً من الصراع هو صراع المفاهيم على مدى هذا العالم، صراع بين الانغلاق والانفتاح، بين مسكونية الدين وانسانيته وبين البعد القبلي العنصري لمفاهيم دينية بالية، ولكن هذا الجانب –على أهميته- لا يختصر الصراع بكليته، اذ أن المشروع الصهيوني يمثل خطة سياسية عسكرية اقتصادية اعلامية متعددة الجوانب والأبعاد، أي مشروع زمني مرتبط بأحلام احتلالية وتوسعية أرضية، وهذا هو الأساس في عملية الصراع.

جوهر الخطة الصهيونية هي الاستيلاء على الأرض وطرد السكان الأصليين منها، وهذا البعد وطني وقومي بامتياز، اذ تغدو عملية المقاومة ذات أهداف محددة وواضحة تستهدف تحرير الأرض واستعادة السيادة الوطنية والقومية.

لذا أي أي اجتزاء من طبيعة الصراع يضر بمقتضيات المعركة ويؤثر على مجريات الصراع لجهة استقطابه كل البنية القومية الاجتماعية واختصارها على فئات دينية محددة مما يحول دون توظيف كامل قدراتها في عملية التحرر الوطني والقومي.

هذا رغم أن العناوين الدينية للصراع (مقاومة اسلامية أو ما شاكل...الخ) لا تعكس جوهر الصراع اذ أن أي مقاومة للاحتلال تهدف الى تحرير الأرض هي حكماً مقاومة ذات طابع وطني وقومي ...أي طبيعتها الذاتية وطنية تحررية وليست دينية مفاهيمية.

4- المقاومة الشعبية  وحرب التحرير القومية

لا بد من مقاربة جدية لمسائل الصراع والمقاومة من زاوية مختلفة لما هو شائع، من خلال الأخذ بعين الاعتبار مسألة الربط بين المقاومة ومفهوم حرب التحرير الشعبية (القومية)، وهنا - كبداية - لا بد من طرح جملة من الأسئلة تنطلق من حقائق الصراع التاريخي في بلادنا بالنظر لخصوصيته وتميزه عن تجارب الصراع في مناطق مختلفة حول العالم.

ما هو المشروع الذي نحن بصدد مقاومته؟ ما هي خصوصية هذا الصراع؟ ما هي مقومات المشروع المعادي؟ ما هي طبيعته؟ ما هي الأدوات والوسائل التي يعتمدها المشروع المعادي؟ ما هي استراتيجية التصدي له؟ ما هو دور المقاومة؟ ما هو اطارها؟ كيف نحول هذه المقاومة الى حرب تحرير قومية (شعبية)؟

أسئلة مهمة لا بد من طرحها، تلمساً للاجابة على متطلباتها في السياسة والأمن والاقتصاد والثقافة والاجتماع؟ ذلك ان ما نرمو اليه لم يعد ينحصر في اطار واحد؟ المسألة غدت معقدة ومتشابكة ومتقاطعة وشاملة، وهذا بالفعل ما يتطلب استراتيجية شاملة للمواجهة تشمل كل الأبعاد.

هناك تجارب مختلفة ومتعددة حول العالم في التاريخ الحديث تحاكي مفهوم حرب التحرير الشعبية في مواجهة الاحتلال والعدوان، من الاتحاد السوفياتي (روسيا) أبان الحرب العالمية الثانية (ظاهرة الأنصار)، وصولاً الى فيتنام وقتال الشعب الفيتنامي الطويل ضد الغزوة العسكرية الأميركية وصولاً الى الجزائر (ثورة المليون شهيد)، الى أنغولا في صراعها ضد الاستعمار البرتغالي، الى التجربة الكوبية التي مثلت نضال الشعب الكوبي ضد نزعة الهيمنة الأميركية على المنطقة (غزو خليج الخنازير وتصدي الجيش الشعبي الكوبي للهجوم والتداعيات اللاحقة)، الى مناطق أخرى حول العالم.

ما هو المشترك في هذه التجارب؟

احتلال عسكري يكرس هيمنة سياسية واقتصادية تتم مواجهته من قبل فئات من الشعب تتسلح وتخوض حرباً شعبية طويلة الأمد في سياق مواجهة تشترك فيها قطاعات المجتمع وتأخذ أبعاداً عسكرية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية الى ما هنالك.

تتضافر في هذا النوع من الصراعات فئات واسعة من الشعب تلتف حول مطلب التحرير الوطني والقومي وتخوض نضالا مستديماً، حقق في معظم هذه التجارب أهدافه في التحرير، لينتقل في ما بعد الى مرحلة بناء الدولة أي التغيير السياسي-الاجتماعي – الاقتصادي وملاحقه الثقافية والتربوية...

ما هي خصوصية الصراع في بلادنا؟

شكلت مسألة الهوية والكينونة والاطار الوطني على الدوام منذ عقود اشكالية معقدة في بلادنا بالنظر الى البعد الجغرافي- المكاني، والبعد التاريخي، والموقع الجيو –سياسي الاقتصادي العسكري لبلادنا، كل هذه العوامل جعلت من أرضنا هدفاً مستمراً لغزوات استعمارية منذ القدم.

ما هو المستجد الذي أعطى الصراع القومي والوطني في بلادنا خاصية تميزها عن غيرها من الظاهرات العالمية؟

في التاريخ الحديث ظاهرتان في العالم جذبت الانتباه بالنظر الى مشتركاتها وطبيعتها الخاصة:

الأولى: جنوب أفريقيا حيث نشأ صراع بين جماعات استيطانية هدفت الى احتلال الأرض وطرد الانسان (بين البيض والسود)، هذا الصراع الذي استمر لسنوات طويلة أدت في النهاية الى دك مفهوم "الاستيطان" لصالح مفهوم (امكانية التفاعل بين المهاجرين البيض والسكان السود الأصليين)، هي تجربة لم تنته فصولاً بعد، بالرغم من أن مسارها التفاعلي قد شق طريقه الطبيعي السلمي في نهاية المطاف...

الثانية: فلسطين ومحيط فلسطين (الهلال السوري الخصيب، سوريا الطبيعية، بلاد الشام والعراق): تبدو المسألة هنا اشد تعقيداً، اذ أن بلادنا واجهت منذ بدايات القرن العشرين اضافة الى الخطر الاستعماري الذي أخذ شكل الاحتلال والسيطرة الاقتصادية والهيمنة السياسية - الثقافية بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الامبراطورية التركية –العثمانية، واجهت خطراً من نوع جديد أشد دهاءً وأكثر فتكاً وتهديدا للبنية الشعبية – الاجتماعية ذات الهوية الوطنية التي كانت تتبلور آنذاك في الصراع ضد المستعمر التركي أولاً، ثم الغربي (الانكليزي – الفرنسي ...) ثانياً، قصدت الخطر الصهيوني الذي مثل حرب وجود شنها الصهاينة على فلسطين ومحيطها الطبيعي، حرب ذات طابع استئصالي وجودي احلالي استيطاني الغائي بكل ما لهذه الكلمة من معنى...

وما زلنا الى اليوم نحيا فصولهاوان تبدلت أشكالها وأساليبها وأدواتها وخططها الأصلية والبديلة عشرات المرات في أقسى وأعتى هجمة تعرض لها شعب عبر التاريخ...

5. حرب التحرير بين "الشعبية" و "القومية" على ضوء حرب غزة

في كتابه "حرب التحرير القومية" كتب انعام رعد تحت عنوان "فلسطين مختبر حرب التحرير" ما يلي:

"يتركز نضال الشعب الفلسطيني على مسألتين:

المسألة الأولى: تعيين المدى القومي للثورة الفلسطينية، أي مجتمعها ومداها الجغرافي والاستراتيجي.

أما المسألة الثانية: فتتناول تعيين العدو وفهم طبيعة كيانه ووجوده".

انطلاقاً من هذا التعريف والتحديد، يمكننا القول أن المقاومات في بلادنا (لبنان، العراق، فلسطين،....) هي بدايات تشكل حرب التحرير وهي مقاومات شعبية لأنها من فعل الناس وسكان الأرض وهي تنبثق من رحم الحاضنة الشعبية ولكن، شرطها لتتحول الى حرب تحرير قومية أن تنطلق من سؤال الهوية، من نحن؟ وامتدادات هذه النحن في المكان والانسان، اذ أن وعي الهوية القومية هو المنطلق لتعيين المدى المجتمعي والجغرافي لحرب التحرير القومية.

والأساس المشترك بين كل حركات التحرير القومي هو ارتكازها على فكر قومي يكون دليل عملها في معرفة مدى الوطن وحدوده، ومدى المجتمع القائم عليه، حتى تستطيع تعبئة القوى وتعيين حدود المعركة.

في فيتنام، ارتفع شعار وحدة الشمال والجنوب أساساً لحرب التحرير في الجنوب، واقترن برفض التقسيم الاستعماري الذي شتت فيتنام، بمواجهة الاستعمار والاحتلال، واندلاع حرب التحرير ضدهما.

وارتفع شعار وحدة المغرب العربي الكبير في الثورة الجزائرية التي انطلقت من أطراف الأرض المغربية المحيطة وكياناتها، فضلاً عن تمركزها  في جبال الجزائر ومدنها، والتزمت الجزائر من بعدها بوحدة المغرب العربي كجزء أساسي من مخطط الدولة التي قامت بعد الثورة والدستور الجزائري.

ان مقاومة شعبنا في غزة اليوم كما مقاومة شعبنا في جنوب لبنان والعراقي حرب تحرير شعبية في أحد أبعادها، ولكي تتحول فعلاً الى حرب تحرير قومية لا بد أن ترتكز على وحدة الهلال الخصيب كضرورة قومية أساسية، وكل تلكؤ عنها هو استنزاف لمجهود الحرب القومية واخضاعها لتناقضات التجزئة ومضاعفاتها. كما يجب أن تحمل مضموناً اجتماعيا- اقتصادياً مع أفق تغييري على مستوى الدولة والسلطة.

ما حصل في 7 تشرين أول 2023 في غزة شكل علامة فارقة ونقطة تحول جذرية في آليات الصراع والمقاومة، ولكن، تحصين هذا الحدث وتعميقه وتأطيره قومياً، من خلال ربطه بعمقه القومي في باقي الكيانات هو المسار الوحيد الممكن لتحقيق انجازات وحماية هذا المجهود الهائل الذي جسدته المقاومة الفلسطينية للبناء عليه مستقبلاً.

الأكثر قراءة

أسبوع مفصلي دموي قبل هدنة رمضان في غزة... بايدن: أحضروا لي صفقة! هوكشتاين في لبنان بمحاولة ديبلوماسيّة أخيرة قبل احتمال الحرب الموسّعة؟