اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

من البداية، كان واضحاً أن هذه المعركة مختلفة تماماً عن كل المعارك السابقة بين المحتَل وأصحاب الأرض، أي بين العدو والمقاومة، مِن الشرارة الأولى الى طبيعة العدوان الصهيوني على غزة ، الى الحضور والدعم وحجم المشاركة الأميركية في الحرب، الى تعدّد جبهات الإسناد للمقاومة الفلسطينية، الى الأهداف مِن منطلق اعتبارها حرباً وجودية، ما يعني أن نتيجتها تُحتِّم فكرة أن ما قبلها ليس كما بعدها، حيث ان تغيّر المشهد في المنطقة بات بديهياً مع هكذا نوع من الحروب.

بداية يجب أن تنطلق القراءة مِن فهم طبيعة الأحداث، بمعنى أن المنطقة في لحظة غير تقليدية، وفي جولة جديدة من الصراع ليس لها مثيل، إذ انها مرحلة جديدة كليّاً بكل المعايير وبكل المقاييس، وعلى مستوى طبيعة الفرقاء المتصارعين في ميدان القتال، ولناحية اتساع جبهة الحرب، بحيث ان هذه الحرب تُقاتِل فيها أميركا بشكل مباشر، وتقاتل فيها "إسرائيل" بطبيعة الحال من جهة، وتقاتل فيها المقاومة الفلسطينية والعراقية والمقاومة الإسلامية في لبنان واليمن في جهة مقابلة. فهذه المرة القضية ليست اشتباكاً أو جولة من جولات القتال التي حصلت في غزة عدة مرات، وليست جولة من جولات القتال التي حصلت في لبنان منذ ما بعد الاجتياح الى حرب تموز ٢٠٠٦ وصولاً الى اليوم، فالوضع مختلف تماماً، بحيث ان القتال اليوم يدور حول قضية معقَّدة جداً في معناها وتداعياتها ألا وهي: مَن الذي سيُقرِّر شكل المنطقة خلال السنوات المقبلة؟

لقد كان حدث طوفان الأقصى تحدياً وجودياً لـ "الإسرائيلي" والأميركي، ومن الواضح أن الآثار التي ترتّبت على هذه العملية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية وحركة حماس تحديداً، أكدت شيخوخة الكيان وضعفه، وأنه ليس على المستوى النظري فقط مُهدَّدا بالزوال، وإنما على المستوى العملي أيضاً، وعلى أساس هذه الحقيقة تعامل الأميركي و "الإسرائيلي" منذ اليوم الأول، ثم عندما اشتعلت جبهات المساندة، أدرك الأميركي أن التهديد لا يقتصر فقط على الوجود "الإسرائيلي"، وإنما أيضاً يمتد الى تهديد وجودي للهيمنة الأميركية المطلقة في هذه المنطقة.

بعد طوفان الأقصى شعرت واشنطن أن المقاومة الفلسطينية بصدد تكوين قوّة مستنِدة الى عمق جبهة المقاومة، كمحور من شأنه أن يهدّد الوجود "الإسرائيلي"، خاصة بعد أن اشتبكت المقاومة في لبنان في ٨ تشرين الأول واشتبك اليمن بعدها والعراق، فشعرت أميركا أن هذا النفوذ المطلق والهيمنة الكليّة على المنطقة بات مُهدَّداً ، وهي مضطرة أن تأتي عسكرياً لكي تُقاتل دفاعاً عن هذا النفوذ، إن عبر تثبيت الكيان بدعمه بالأسلحة والجنود والمظلة السياسية والمال والاقتصاد وتعويض النقص، أو بتورّطها العسكري والسياسي في مواجهة جبهات اليمن والعراق ولبنان.

هذه الوقائع ثبّتها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في إطلالته الأولى في هذه الحرب والأخيرة، وبالتالي أكّد بوضوح طبيعة هذه المعركة، وأنه سيترتّب على نتائجها آثار مستقبلية بعيدة المدى، لذا لن يتم التعامل معها بالشكل التقليدي، ولا بالشكل الذي تم اعتياده سابقاً، ولن يتم قياس حالها على أحوال ما سبقها من مواجهات. وبالتالي، إن العمل العسكري والسياسي في ما يتعلق بالعسكريين والمدنيين والجغرافية، وطبيعة الأسلحة ونطاق الاستهداف، لن يخضع لقواعد جامدة إنما سيَخضع لمسارات الميدان ، التي يتم تحديدها أولاً من خلال الرؤية السياسية العامة الحاكمة للعمل العسكري، وهذا يحكمه اختيار التوقيت والأسلوب والأهداف والأدوات.

فعندما تُدار الحرب بهذه العقلية تصبح ذات هدف ورؤية، ليست عشوائية السلاح ولا عشوائية الخطاب، خاصة عندما تعرف المقاومة ماذا تريد... فهي تريد أن تضمن ألا ينتصر "الإسرائيلي" في هذه الحرب، وأن تضمن كسر النفوذ الأميركي في هذه المنطقة، وأن تضمن انتصار المقاومة في غزة وبقاء أهلها فيها، وأن تكون المقاومة قادرة على أن تدفع عن نفسها وأهلها الحروب الحالية والمستقبلية، وألا تتمكن الولايات المتحدة من إطلاق مسارات تذويب القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، لا بالتهجير ولا بالتوطين ولا بالتطبيع ولا بالاستسلام.

لكن رغم كل ما تفعله المقاومة في المنطقة، لمنع تحقيق الهدف الكلّي الأميركي بتصفية الشعب الفلسطيني وليس فقط القضية، يبقى المانع الأول من وصول الأميركي و "الإسرائيلي" الى هذا الهدف هو صمود الشعب الفلسطيني والمقاومة في غزة، فالعمليات العسكرية التي لا تُصرف ولا تَخرج بنتائج سياسية، تبقى عملية عسكرية من دون أفق، لأن شرط النجاح هو إنتاج واقع سياسي جديد.

إذاً، هذه المعركة تُوصَف فعلياً هذه المرة بأنها ذات أثر وجودي، وليست فقط مرتبطة بقواعد الردع أو معادلات الصراع أو قواعد الاشتباك، بمعنى أن هذه المعركة بالنسبة للعدو ستؤثر في وجوده، وبالنسبة للمقاومة ستؤثر في وجودها، ما يعني أن الأمور ليست متجهة الى قواعد مؤقتة، وإنما الى بداية مسارات سيكون لها تأثير جذري بالمستقبل، ما يعني أن الخسارة في هذه المعركة لأي من الطرفين هي خسارة ستصب في بنيانه الوجودي ومصيره، وهذا ما يؤكد أن المنطقة أمام جولة مؤثرة ونوعية ومفصلية، لأنها تمسّ الوجود على الجبهتين.

الأكثر قراءة

بكركي ترفض «دفن الديمقراطية وخلق السوابق» وبري يعتبر بيان «الخماسية» يُـكمل مبادرته شرف الدين يكشف لـ«الديار» عن لوائح للنازحين تنتظر موافقة الامن الوطني السوري تكثيف معاد للإغتيالات من الجنوب الى البقاع... والمقاومة مستمرة بالعمليات الردعية