اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


بديهي أن يكون هناك فارق ما بين اللغة العسكرية واللغة الديبلوماسية. ولكن من تراه يستطيع العثور على نقطة التقاطع بين الايديولوجيا والبراغماتية، في صياغة السياسات في ايران؟

كثيراً ما تشير التعليقات الغربية الى "اللغز الايراني" في النظرة الى العالم. مدير وكالة الاستخبارات المركزية وليم بيرنز أول من استخدم هذا التعبير حين كان نائباً لوزير الخارجية، بعدما أمضى عدة ساعات في أحد فنادق جنيف وهو ينتظر دون جدوى، لقاء ديبلوماسي ايراني معني بالتفاوض حول البرنامج النووي.

من الصعب الحديث عن "انعطافة ما" في السياسة الايرانية. لكن الثابت أن الايرانيين يتعاملون بود مع رجب طيب اردوغان، بالرغم من ماضيه (وحاضره) الأسود في سوريا. وها هم يتجهون الى توطيد العلاقات مع مصر، بعدما كان أنور السادات الحاكم الوحيد الذي استضاف الشاه المخلوع، رغم أن هذا الأخير أقام أثناء حرب 1973 جسراً جوياً مع "تل أبيب"، ريثما يتم تشغيل الجسر الجوي الأميركي. مع التذكير بأن الزوجة الأولى للشاه كانت الأميرة فوزية، شقيقة الملك فاروق.

لمن الغلبة الآن، للايديولوجيا أم للبراغماتية ؟ المفكر الأميركي فرنسيس فوكوياما أقر بالخطأ لاطلاقه النظرية القائلة، غداة سقوط الأمبراطورية السوفياتية، بالتزامن الجدلي بين نهاية الايديولوجيا ونهاية التاريخ، كما لو أن الايديولوجيا، ومنذ ظهور التوراة، لا تمتطي ظهر التاريخ، وان اعتبر ميلتون فريدمان صاحب نظرية "النقدوية" والحائز نوبل في الاقتصاد، أن المال مثلما هو حوذي الأزمنة، هو أيضاً من يقود الايديولوجيات.

ايران ظاهرياً دولة ايديولوجية. الغرب يصف النظام فيها بالنظام الثيوقراطي، كونه يقوم على تطبيق الشريعة الاسلامية. لكن الواضح أنها دولة براغماتية. اذ اشتهرت بحياكة السجاد، بما يقتضي ذلك من الدقة وطول الأناة. فهي تعمل بالطريقة ذاتها لتحقيق مصالحها الجيوسياسية، وان استلزم ذلك اللعب على حافة الهاوية، وهو المصطلح الذي استنبطه جون فوستر دالاس، وزير الخارجية في عهد الرئيس جون دوايت ايزنهاور (Brinkmanship Politics).

مثال على البراغماتية. قبل أيام من تلك اللحظة التراجيدية، حسين أميرعبد اللهيان أشار الى "محادثات جيدة أجريتها مع وزير الخارجية المصري سامح شكري، حيث تم وضع خارطة طريق لعودة العلاقات الطبيعية بين مصر وايران".

مثال آخر لعبد اللهيان "اذا وفى الأميركيون والغربيون بوعودهم، فان الظروف تكون مهيأة لتحقيق وقف للنار دائم في غزة".  هل المطلوب فقط وقف النار؟

تزامناً، مثال على النبرة الايديولوجية حين تذهب الى حافة الهاوية. قائد الحرس الثوري حسن سلامي هدد بـ "اغلاق الطريق على الجيش "الاسرائيلي" في شرق المتوسط، وتوسيع الجبهات لتشتيت الأعداء"، وهذا يعيد الى الذاكرة اقدام جمال عبد الناصر في 23 أيار 1967، على اقفال مضيق تيران، ما أخذته حكومة ليفي اشكول ذريعة لشن حرب حزيران، حيث كان للجيش "الاسرائيلي" أن يحتل شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان، فضلاً عن الضفة الغربية والقدس الشرقية.

الايرانيون يدركون مدى التداعيات الكارثية لأي حرب كبرى عليهم، وهم المحاصرون بالأعداء من كل حدب وصوب، ولطالما عانوا من الاختراقات الداخلية. لكنهم يدركون أيضاً "هشاشة القوة" ان لدى الأميركيين أو لدى حلفائهم، ما دامت مصالحهم على ذلك المستوى من الحساسية. قد تكون الزاوية التي يلعب فيها الايرانيون ضيقة ومكلفة جدا، لكنها الخاصرة الرخوة للأعداء.

اللافت هنا، قول المعلق الأميركي فريد زكريا ان "اسرائيل" الآن هي نقطة الضعف الأميركية، ليس فقط بسبب غرقها في رمال غزة، وانما ايضاً لأن من يحكمونها لم يكتشفوا أن طريق القوة، القوة العمياء، هو الطريق الى الجحيم.

دعونا نقرأ ما يمكن أن يجول في رأس السيد حسن نصرالله، وهو ينظر بانورامياً الى ما يحدث على الأرض. لم يعد يرى نظرياً بل عملياً ـ وعملانياً ـ أن "اسرائيل" آيلة حتماً الى التحلل. المسألة لا تحتاج الى أكثر من الطرق بقوة على الباب.

هذا ما يحدث عند الخط الأزرق، ليقول جدعون ليفي الذي يدرك الحساسية الجيوستراتيجية للجليل انها الضربات على القلب. "اسرائيل" لم تكن قطعاً بالدولة البراغماتية. دولة في قعر الايديولوجيا. يوماً ماً في قعر القرن...