بداية نذكر أن < المحافظون الجدد> هم امتداد فكري وسياسي لمبدأ المحافظة على القديم Conservatism، وهي إيديولوجية سياسية وثقافية تدعو الى الحفاظ على المؤسسات التقليدية والعادات والقيم الاجتماعية والدينية في مجتمع ما. ويُعتبر رجل الدولة الانكليزي – الإرلندي Edmund Burke من آباء هذا المعتقد أو المدرسة الفكرية ويعود تاريخها الى أواخر القرن الثامن عشر.
وفي العام 1970 نشأت فكرة < المحافظون الجدد> في الولايات المتحدة الأميركية وهم يرتكزون في المبدأ والجوهر على أن النظام العالمي مبني على قوّة الولايات المتحدة التي لا يجاريها أحد وعلى الاعتقاد الراسخ بميزة التفوّق غير الاعتيادي على غيرها ومن ميزاتها العناصر الاتية:
تنفرد الولايات المتحدة وحدها بمعزل عن أي جهة سياسية دولية أخرى باستعمال القوّة العسكرية لتفصل في أي نزاع دولي وفي فرض السلم.
تضع الولايات المتحدة قوّتها العسكرية في خدمة مبادئها ومصالحها الوطنية بحيث أضحى هذا السلوك جزءًا من سياستها الخارجية.
تنظر الولايات المتحدة من زاوية <المحافظون الجدد> بعين الحذر الى دور المنظمات الدولية وهيئاتها المتشابكة والمعقّدة وهي تفضّل الانسحاب من الاتفاقية والالتزامات الدولية التي تقيّدها والتي تهدّد برأيهم السيادة الأميركية وتحدّ من سلطتها.
ولقد أطلق البعض على هذه الظاهرة تسمية الأحاديّة الجديدة. وهي تعني برأيهم أولوية المصالح الوطنية الأميركية بحيث تتقدّم على الاتفاقيات الدولية.
اعتمد <المحافظون الجدد> على الأفكار الولسونية Wilsonian ideas بالنسبة لرؤيتهم في نشر الديموقراطية في العالم بحيث اعتبروها حاجة ماسّة الى سياسة الأمن القومي الأميركي. وأبعد من ذلك فلقد نادوا بضرورة فرض هذه الديموقراطية بالقوّة.
] هل نجح <المحافظون الجدد>؟
من مظاهر عدم نجاح < المحافظون الجدد> فشل الحرب الأميركية ضد نظام صدّام حسين لأنها لم تتمكن من إقامة نظام ديموقراطي جديد في العراق بل تزايد التطرّف الديني ليس فقط ضدّ السياسة الأميركية بل أيضاً بين الطوائف الموجودة في العراق.
لم تستطع الولايات المتحدة الأميركية الاستغناء عن دور المنظمات الدولية في سياستها العالمية والدليل هو لجؤها الى الأمم المتحدة لاستصدار قرار أممي باستحداث قوّة متعدّدة الجنسية في العراق في العام 2004.
اعتقد < المحافظون الجدد> أن القوّة العسكرية وحدها كافية لبسط سيطرة الولايات المتحدة والترويج لمبادئها الديموقراطية والليبرالية في إطار ما يسمّى النظام العالمي الجديد، ولكنها لم تتنبّه إلى مدى فعالية هذا القوّة أو أنها بالغت في تقدير فعالية وتأثير هذه القوّة. في حين ان الواقعات السياسية تبيّن أنه ليس بإمكان الولايات المتحدة أن تهدّد <بالعصا> وحدها من دون التعاون مع المجتمع الدولي والمنظمات الدولية. ففي عالم مترامي الأطراف ومهدّد بالإرهاب فإن الولايات المتحدة تحتاج لكي تحارب هذا الإرهاب الى التعاون مع حلفائها في أوروبا والشرق الأوسط والأقصى من أجل تبادل المعلومات والتنسيق العملي وإن الدول الحليفة تمتلك خبرة طويلة في مجال التصدّي للإرهاب ولا يمكن الاستغناء عنها.
وباستثناء تعرّض دولة ما لعدوان عسكري مباشر من قبل أي دولة أخرى، فإنه من غير الشرعي أن تُقدم دولة مهما عظّمت على استعمال قوّتها العسكرية لحماية مصالحها الحيوية أو صيانة محيطها الاستراتيجي من دون أن تشرّع عملها من قبل مجلس الأمن الدولي. ونذكر هنا في هذا الإطار أنه في العام 2003 لم تتمكّن الولايات المتحدة من انتزاع دعم كندا والمكسيك وتشيلي في مجلس الامن في حربها ضدّ العراق والتي صُنّفت في خانة حماية الولايات المتحدة لمصالحها الحيوية.
واستطراداً يجب ألّا ننسى ان الاتحاد السوفياتي تصرّف بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كقوّة قسريّة أحاديّة في الدفاع عن مصالحه وفرض رقابته السياسية وقضم الأراضي في أوروبا الشرقية.
وتعليقاً على ما تقدّم، تحدّثت بعض المصادر عن صدمة كبيرة لدى الرأي العام الأميركي من سياسة حكامه الدولية في الواقع وأوكرانيا على سبيل المثل بعد أن اعتاد هذا الرأي العام الأميركي والعالمي تقدير المبادئ الأميركية وميزته المجتمعية المنفتحة.
] كيف تأثر العالم <بالمحافظون الجدد> ؟
انطلق < المحافظون الجدد> من مبدأ الاتكال على أنفسهم وعلى قوتهم الذاتية من أجل الحفاظ على وجودهم مجابهةً لأي خطر يهدّد مصالحهم وكيانهم. وهذا الخوف من خطر الغير يعاني منه العديد من الأقليات الدينية والإثنية في مختلف بقاع العالم ونذكر لبنان عى وجه الخصوص. وإذا لاحظنا نموّ وتصاعد دعوات تبنّي روحية فكر <المحافظون الجدد> والاعتماد على من يمثّل هذا التيّار، سواء كان في الولايات المتحدة أو أوروبا، فإننا نبرّر أحقيّة هذه الدعوات.
والحق يقال إن هذه الأقليات الدينية في لبنان شعرت أنها تزول تدريجياً ويتضاءل دورها ليس فقط السياسي، بل أيضاً الثقافي والاجتماعي، مقارنة مع غيرها من الأكثريات الدينية التي تحاول فرض تقاليدها وسيطرتها المعنوية والسياسية إذا صحّ التعبير. وتقضي الحكمة العملية بالقول إن هذه الأقليات الدينية ترغب، ولها الحق في ذلك، في الحفاظ على مؤسساتها التقليدية والدينية والدفاع عن ثقافتها وتقاليدها وموقعها السياسي.
] في خضّم هذه الأزمة بين الأقليات والأكثريات في لبنان، ما هو الحلّ؟
لا يختلف اثنان على أننا لا نعيش في عالم مثالي منصهر بالقيم ولهذا السبب فالأكثرية العدديّة تسعى عفوياً الى فرض سيطرتها السياسية والمعنوية على الأقليات، فنحن لا نعيش في مجتمع طوباوي تعرف وتعي كل فئة حدودها فتلتزم بها كما تحترم الأكثرية خصوصيات الأقليات ولا تجابهها.
وحيث إن خطر التصادم بين الأكثرية والأقليّة إمكانية واردة عملياً سواء كانت طبيعتها دينية أم إثنية فهل ان تبنّي الأقليات لمبادئ <المحافظون الجدد> يقدّم حلاًّ لهذه الأزمة أم يزيدها تعقيداً. ان المشكلة تكمن في ان مبادئ <المحافظون الجدد> لا تتسّم بالانفتاحيّة أو الايجابيّة تجاه الغير. إضافة الى ذلك من غير الواضح تصوّر ردّة فعل الأكثرية على موقف الأقليات هذا. لكن أملنا أن تكون ردّة فعلهم راقية ومغايرة لما نتوقّع أي أن يتفهّموا قلق ومخاوف شركائهم في الوطن وأن يعوا أننا أبناء وطن واحد وإن ولاءنا واحد ومصيرنا واحد وان الوطن للجميع وأن يقرؤوا جيّداً ما نقلاه مُنح ورغيد الصلح عن عمّهما تقي الدين الصلح حين قال مقولته الشهيرة والمعبّرة والرائعة إلى سليم اللوزي والذي كان أول ما كتبها في مجلة الحوادث: <لبنان لا يقوم من دون مسيحيّيه ولا يدوم من دون مسلميه>.
وختاماً يطيب لنا أن نقول، وحيث إنه < لكل تحدٍّ استجابة> فإن من حسنات مبادرة إطلاق منصّة <المحافظون الجدد> في هذا الوقت بالذات أنها حرّكت مشاعر الفرقاء الآخرين في المواطنة علّهم يسعون إلى إعادة اللّحمة الوطنية بين أبناء الوطن في سبيل الافتخار <بأعجوبة> أو <مأثرة> التعدّدية الدينية والثقافية التي تمايز بها لبنان والتي هي المصدر الأساسي للسلام والحرية والمساواة والتسامح.
يتم قراءة الآن
-
ابعد من الدعم...زيارة سلام للسعودية تؤسس لما بعد انتخابات 2026؟ هذا المطلوب لرفع حظر سفر السعوديين ومساع حثيثة تنطلق قريبا!
-
العهد يصطدم بالضغوط الأميركية المعرقلة للتفاهم الداخلي لبنان امام مأزق تاريخي: اما نزع سلاح المقاومة او الحرب
-
صورة بمعاني مهمة وراء الشيخ نعيم قاسم
-
هل عادت الكلمة للشارع... من طريق المطار الى ساحة الشهداء الحريري يكسب الرهان الشعبي... والحزب "يهز العصا"
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
08:45
الجبهة الداخلية "الإسرائيلية": صفارات الإنذار تدوي في مستوطنة المطلة بعد رصد عمليات إطلاق صواريخ
-
23:59
فوز بيروت على الحكمة بنتيجة 93-84 ضمن المرحلة العاشرة من "ديكاتلون" بطولة لبنان لكرة السلة
-
22:10
رويترز: رسوم ترامب الجمركية على السيارات بنسبة 25% ستدخل حيز التنفيذ في 3 نيسان، وإدارته تدرس إلغاء الإعفاءات الجمركية على الشحنات الرخيصة من الصين.
-
22:09
وسائل إعلام تابعة للحوثيين: عدوان أميركي يستهدف بغارة رأس عيسى بالصليف في الحديدة غربي اليمن.
-
22:08
القناة 12 "الإسرائيلية": اعتراض صاروخين أطلقا من جباليا باتجاه غلاف غزة الشمالي.
-
22:07
عضو المكتب السياسي لحركة "حـماس" سهيل الهندي: جاهزون لإطلاق سراح الأسرى بشرط وقف الحـرب وفتح المعابر وإعادة إعمار غـزة.
