اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تحدّثت وسائل الإعلام بإسهاب وبأسلوب دراماتيكي عن جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت في 27 آذار 2025 والتي أنتجت تعيين السيد كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان. ولقد تمّ إدراج حصيلة هذه الجلسة في ميزان الرابح والخاسر، على اعتبار أن 17 وزيراً صوّتوا لمصلحة هذا التعيين الذي أيّده رئيس الجمهورية في حين عارضه 7 وزراء ومن بينهم رئيس الحكومة. ولقد تقرّر التعيين بأكثرية ثلثي أعضاء مجلس الوزراء بعد أن تعذّر التوافق.

وكان رئيس الحكومة قد أعلن وفقاً لما ورد في الصحف تحفّظه بالنسبة إلى تعيين الحاكم الجديد نتيجة مخاوف لها علاقة بمواقفه المالية السابقة.

تعليقاً على ما تقدّم نطرح المقاربات الاتية:

لقد تمّت قراءة ما جرى في مجلس الوزراء على أساس انتصار فئة وانهزام فئة أخرى.

لقد اعتبر البعض أن لهذا التصويت طابعاً دينيّاً طائفيّاً ممّا أدّى إلى انتقاد بعض الفعاليات الدينيّة المساندة لرئيس الحكومة.

كما نظر البعض إلى موقف رئيس الحكومة بأنه الحريص على حقوق المودعين وأموالهم في حين تمّ تصنيف موقف الوزراء الآخرين في خانة أخرى مناقضة.

إضافة إلى ذلك اعتبر آخرون أن هذا التصويت هو كصدمة مبكّرة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة.

ونذكر أخيراً أن رئيس الحكومة أعلن بعد الجلسة أنه يترتّب على الحاكم الجديد الالتزام بالسياسة المالية الإصلاحية للحكومة لجهة التفاوض على برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي وإعادة هيكلة القطاع المصرفي للحفاظ على أموال المودعين.

بداية يمكن الجزم أنه لا مجال للقول بأنه يوجد رابح أو خاسر لأنه قد تمّ تطبيق المادة /65/ من الدستور التي نصّت على أن يتخّذ الوزراء قراراته توافقياً، وإذا تعذّر ذلك فبالتصويت سواء أكان بأكثرية الحضور أو بأكثرية ثلثي أعضاء الحكومة. وهكذا حصل فلقد قرّر مجلس الوزراء بأكثرية ثلثي أعضائه تعيين الحاكم. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لا يمكن الوثوق بالمطلق بأن اتّخاذ القرار بالتوافق في مجلس الوزراء هو كفيل بشرعيّة وقانونيّة وبملائمة أي قرار لمجلس الوزراء. ولا يمكن الجزم أيضاً بأن القرارات العديدة التي قرّرها مجلس الوزراء بالتوافق قد أثبتت أنها كانت في محلّها أو أنها عيّنت الشخص المناسب في المكان المناسب. وكم من موظف عام عيّنته الحكومة بالتوافق أظهرت التجارب والوقائع فشله أو فساده. وما قلناه بشأن التوافق ينطبق بالطبع على التعيين بغالبية الأكثرية، فالعبرة ليست بمنطق عدد الأصوات سواءً كان بالتوافق أو بالأكثرية لأن جوهر تولّي المسؤولية العامة لا يرتكز فقط على جدارة وكفاءة من يتولاها بل أيضاً على التزامه بالقيم الأخلاقية والمبادئ الوطنية وبأن يعتمد في أولوياته المصلحة العامة والخير العام. ونحن نعلم أنه من الصعب أن تتوافر هذه المزايا كلها في شخص واحد وإذا توافرت فيه ونجح وكان على قدر المسؤولية واستحق تقدير وثناء الناس وإن فشل حصل على لعنتنهم.

وفي مطلق الأحوال كنّا نفضّل أن يعلن رئيس الحكومة بوضوح وبفخر بعد انتهاء جلسة 27 آذار أن الديمقراطية هي المنتصر الوحيد وليس من خاسر فعلي عند تطبيق الدستور ومن الطبيعي، وهو العليم بالأمور كافة، أن تكون الآراء مختلفة وفق المنطق الديموقراطي السليم.

وهكذا تكون اللعبة الديموقراطية قد أدّت دورها وبالتالي يتوجّب على الحاكم المعيّن أن يتقيّد بالقوانين وأن يقوم بوظيفته بإخلاص ودقّة محترماً القانون والشرف كما نصّت المادّة /18/ من قانون النقد والتسليف.

ولا بدّ من القول هنا إن طريقة التعيين هذه سواء أكانت بالأغلبية أو بالتوافق ليست ولم تكن يوماً ضامنةً لصحّة التعيين وسلامته وملاءمته.

وحيث إن تراثنا الوطني والثقافي مبني على معادلة مسلم مسيحي وعلى ظاهرة الأقوى والأضعف وعلى التوازن بين الطوائف، فإنه إذا صَدَف وفشل أحد الرؤساء في فرض رأيه وخذلته الأكثرية الوزارية أصيب في الصميم، مما يعني جرح مشاعر وكرامة طائفته إضافة إلى استنفار فاعليات هذه الطائفة لدعمه والدفاع عن كرامته وموقعه.

وكان رئيس الحكومة قد صرّح أنه بسبب حرصه على حقوق المودعين قد تحفّظ عن تعيين الحاكم الجديد، ولكن نرى أنه كان من الأجدر أن يعلن عن أسباب تحفظّه ويزوّد الرأي العام بالحجج والبيّنات التي تؤكّد سبب موقفه الحذر والتي يجهلها المواطنون.

ولا يختلف اثنان على حقّ رئيس الحكومة في شكّه في مقدرة وجدارة الحاكم المعيّن وفقاً لتقديره لأنه المسؤول عن تنفيذ سياسة الدولة العامة ولا سيما السياسة المالية بشكل عام. وهكذا يقف المراقب حائراً أمام موقفين، فالأول يشكّك في أهلية حاكم المصرف المركزي في حفظ حقوق المودعين والمؤلف من 7 وزراء في حين اقتنع 17 وزيراً بأهليته لتولّي هذه المهمّة. ونذكر في هذا السياق أن استدعاء مجلس الوزراء للسيّد كريم سعيد للاستماع إليه والإجابة على استيضاحات الوزراء ليس بالضرورة ضمانة أو تطميناً لما سيفعله الحاكم في سبيل إعادة أموال المودعين. وإذا كان قد ذكر، نقلاً عن بعض الصحف، أن حقوق المودعين مقدّسة فما الذي يؤكد نجاحه في تنفيذ تعهّده؟ علماً أنه لغاية تاريخه لقد أتّحفنا المسؤولون السياسيون بكلامهم الممّل على إحاطة هذه الحقوق بالقدسيّة من دون وجود أي مؤشر يدلّ على مصداقيّة هذه القدسيّة وعندنا يقين أننا لم نجد في تاريخنا السياسي وعوداً أسخف من وعود السياسيين.

ومن أهم ما أتى على ذكره رئيس الحكومة، أن على الحاكم الجديد أن يلتزم بالسياسة المالية الإصلاحية لجهة التفاوض على برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي وإعادة هيكلة المصارف للحفاظ على أموال المودعين، وإن السؤال الذي نودّ طرحه هنا هو هل الحاكم الجديد ملزم حكماً بالتقيّد بسياسة الحكومة الإصلاحية؟

لقد نصّت المادة /65/ من الدستور على صلاحية الحكومة في « وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات «. وهذا يعني أنه من الطبيعي أن تضع الحكومة الخطّة الإصلاحية، وعلى الأخص في الشؤون المالية والنقديّة، وأن تنفّذها بعد إقرارها في مجلس النواب. وبالتالي على حاكم المصرف المركزي أن يتقيّد بها.

ولكن ما هي صلاحيات الحاكم، وهل له الحق في وضع خطّة إصلاحية؟

لم نجد في صلاحيات الحاكم أو المجلس المركزي لمصرف لبنان والمنصوص عليها في قانون النقد والتسليف ما يشير إلى أي صلاحية في ما يتعلق بوضع خطّة إصلاحية.

ولقد نصّت المادة /26/ من قانون النقد والتسليف على أن « يتمتّع الحاكم بأوسع الصلاحيات لإدارة المصرف العامة وتسيير أعماله. فهو مكلّف تطبيق القانون وقرارات المجلس» (المجلس المركزي لمصرف لبنان). ولم نجد في بقيّة بنود هذه المادة أي إشارة إلى أي صلاحية متعلّقة بحق الحاكم في وضع أي خطّة مالية، بل اقتصرت على توقيع الصكوك والعقود والاتفاقات وإقامة الدعاوى، إضافة إلى تنظيم دوائر المصرف وتعيين وإقالة الموظفين والتعاقد مع فنيّين.

أما المادة /33/ المتعلقة بصلاحيات المجلس المركزي للمصرف، فلقد نصّت على تمتّع هذا المجلس بالصلاحيات الآتية:

تحديد سياسة المصرف النقدية والتسليفية.

يضع أنظمة تطبيق هذا القانون (قانون النقد والتسليف)

يحدّد في ضوء الأوضاع الاقتصادية معدّل الحسم ومعدّل فوائد تسليفات المصرف. وعلى أن يعتمد أيضاً التذاكر في جميع التدابير المتعلّقة بالمصارف والتذاكر في أمور الإصدار وطلبات القروض المقدّمة من القطاع العام وفي شؤون عقارات المصرف ووضع الأنظمة المتعلقة بالحاكم ونوابه وتعيين موظفي المصرف.

كما أن المادة /70/ حدّدت مهمة المصرف العامة بالمحافظة على النقد لتأمين نموّ اقتصادي واجتماعي دائم وكذلك المحافظة على سلامة النقد اللبناني وعلى الاستقرار الاقتصادي وسلامة أوضاع النظام المصرفي وتطوير السوق النقدية والمالية.

ومن جهة أخرى أوضحت المادة /71/ أنه على المصرف المركزي أن يتعاون مع الحكومة ويقدّم لها كل مشورة تتعلّق بالسياسة المالية والاقتصادية بغية تأمين الانسجام الأوفر بين مهمته وأهداف الحكومة. وفي المحصّلة يتبيّن لنا من قانون النقد والتسليف أن الحاكم والمجلس المركزي لا يتمتعان بأي صلاحية تخولهما وضع أي خطّة مالية، سواء أكانت عاديّة أم إصلاحية، في حين تعود هذه الصلاحيات إلى مجلس الوزراء، والتي تستلزم عند الاقتضاء إقرارها في مجلس النواب، وعلى أن يتقيّد بتنفيذها حاكم المصرف المركزي.

وهكذا يتجلّى لنا من مجمل ما تقدّم أن دور الحاكم والمجلس المركزي هو دور تنظيمي وإداري واستشاري للحكومة، وتنفيذي فقط في ما يتعلّق بتحديد سياسة المصرف النقديّة والتسليفيّة، إضافة إلى المحافظة على سلامة النقد والاستقرار الاقتصادي، وليس لهما أي سلطة في وضع السياسة النقديّة والمالية العامة أو أي خطّة إصلاحية، والتي تعود إلى مجلس الوزراء.

بقي علينا ختاماً وفي معرض التعليق على الاختلاف الإيجابي في وجهات النظر بين الوزراء، أن نتذكّر هذا القول المأثور والمنسوب إلى الإمام الشافعي والذي يعبّر عن حكمة واقعية:

« رأيي أو قولي صواب ويحتمل الخطأ، ورأي أو قول غيري خطأ ويحتمل الصواب».

* دكتور في القانون العام


الأكثر قراءة

من يدفع أميركا الى الجحيم؟