شكلت قضية اختفاء الصحفي الأميركي أوستن تايس على امتداد اثني عشر عاما إحدى القضايا التي أثارت الاهتمام في الولايات المتحدة على مختلف الصعد السياسية والإعلامية والإنسانية، ومنذ الإعلان عن اختفائه، منتصف شهر آب 2012، كانت أدنى المعلومات التي تخص تلك القضية، كفيلة بإثارة موجة من الاهتمام داخل هذا الثالوث السابق، وتواترها يكاد لا ينقطع حتى تأتيه واحدة أخرى تكون قادرة على ملء الفراغ، فملف من هذا النوع لم يكن مسموحا له أن يشهد سكونا قبيل الوصول إلى خواتيمه الأكيدة بتحديد مصير تايس، الأمر الذي ظل متعذرا زمن النظام السابق جراء إصرار هذا الأخير على نفي علمه بأي شيء يخص الصحفي الأميركي الذي انقطعت أخباره في داريا، قرب دمشق، وقبيل أيام من عيد ميلاده الحادي والثلاثين.
شكل سقوط نظام بشار الأسد فرصة سانحة للكشف عن مصير تايس، لكن عملية إخلاء السجون التي تلت ذلك الفعل لم تأت بأي جديد، وعندما زارت ديبرا تايس، والدة الصحفي، دمشق، 18 كانون الثاني الفائت، للقاء أحمد الشرع، «قائد الإدارة السورية الجديدة»، أعلنت وفقا لما نقلته عنها وكالة «رويترز» في حينها، إن «من الصعب معرفة إذا ما كان اولئك الذين يتقلدون زمام الأمور الآن لديهم معلومات عن ابني»، لكنها أضافت «أشعر إنه هنا، وأشعر أنه يعرف إني هنا»، وسرعان ما تجددت الجهود، بعدما أسقط في يد تايس الأم بالحصول على دليل حاسم، فقد أجرى فريق تابع لشبكة «BBC» البريطانية تحقيقا استقصائيا مطولا بعد أن استطاع الحصول على معطيات جديدة كان من بينها رسائل ومحادثات جرت بين أفرع أمن تابعة للاستخبارات السورية السابقة، وقد أظهرت إحداها إن تايس كان معتقلا في «مركز للاحتجاز بالعاصمة دمشق بدءا من آب 2012»، في حين أظهرت رسالة أخرى أن مكان الاحتجاز هو «سجن الطاحونة»، وهو سجن غير معلن يقع خلف مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بساحة الأمويين، وكان مخصصا لاعتقال عناصر وضباط «الحرس الجمهوري» زمن النظام السابق، كما أظهرت بعض الوثائق، وفقا لتحقيق «BBC»، أن تايس بقي في ذلك السجن حتى شهر شباط 2013، وأنه «تعرض لعدوى فيروسية» في تلك الفترة، لتشير إحدى الوثائق إلى اهتمام النظام السابق بمعالجة تايس من تلك العدوى، ما يؤكد أن النظام كان يدرك أهمية تايس كـ«ورقة تفاوضية» يمكن لها أن تكون بالغة الأهمية في سياق المحافظة على ما تبقى من قنوات تواصل مع واشنطن، التي راحت تعمل على إقفالها كلها بعيد شهر آب 2013، الذي شهد اتهام واشنطن لنظام الأسد باستخدام أسلحة كيماوية ضد فصائل المعارضة بمنطقة الغوطة بمحيط دمشق.
مطلع هذا العام زار دمشق فريق من «مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI»، وكان الهدف من الزيارة هو البحث عن الأماكن التي احتجز فيها تايس، وتحديد مصيره، وإن أمكن العثور على رفاته، وقد ركز البحث على منشأة كانت تسمى «المركز السوري للدراسات والبحوث العلمية»، الواقعة بمحيط دمشق، وقد توصل الفريق إلى ضرورة البحث عن اللواء بسام الحسن، المستشار الأمني للرئيس السوري السابق، ولدى تتبع حركة هذا الأخير تبين أنه سافر إلى إيران بعد أيام على سقوط الأسد، لكنه عاد ليستقر في بيروت شهر نيسان الماضي، كما زار فريق الـ «FBI» قرية «يرتة» التابعة لقضاء القرداحة بمحافظة اللاذقية للقاء اللواء صفوان بهلول، الذي كان يعمل مساعدا للواء الحسن، حيث أكد بهلول أنه «استجوب تايس لثلاث مرات العام 2012 بناء على طلب رئيسه بسام الحسن»، كما أكد أن «تايس كان محتجزا في مجمع الطاحونة الذي كان يرأسه العميد غسان نصور ( قائد بالحرس الجمهوري) الذي فر إلى الإمارات بعد سقوط نظام بشار الأسد».
ظهر بسام الحسن، يوم الثلاثاء الفائت، في تحقيق أجرته كلارسيا وارد، مراسلة شبكة «CNN» الأميركية، التي قدمت إلى بيروت إثر معلومات توصل إليها «مكتب التحقيقات الفيدرالي» أواخر شهر أيلول الفائت وقد استطاع من خلالها تحديد «إحداثيات» اللواء بسام الحسن في بيروت، وقد رافقها فريق عمل مصغر كان مزودا بكاميرات خفية لا يخفى الغرض من التزود بها، وقد ذكر الحسن خلال حديثه مع وارد، الذي استمر نحو 20 دقيقة، أن «تايس ميت بالتأكيد»، وأن «الأسد هو من أمر شخصيا بإعدامه»، وأضاف أنه «سلم أمر الإعدام إلى أحد مرؤوسيه»، الذي قام بتنفيذه على نحو مؤكد، لكن الإضافات التي أتى عليها كان من شأنها أن تثير بعض التساؤلات، فهو قال «لا أريد حماية الأسد لأنه تخلى عنا وتركنا»، وقال «لا أريد حماية روسيا وإيران، لأن الولايات المتحدة تعتقد أن لروسيا وإيران علاقة بالقضية، وأؤكد لكم أن هذا ليس صحيحا، بل هو يتعلق ببشار الأسد فقط»، ولعل الجملتين السابقتين كفيلتان للطعن في الشهادة التي قدمها الحسن من بابها إلى محرابها، خصوصا أن تقرير الـ«CNN» كان قد ذكر أن الحسن «فشل في اختبار (كشف الكذب) الذي أجراه له (مكتب التحقيقات الفيدرالي) «أثناء استجوابه له شهر نيسان الفائت، ناهيك بأن ديبرا، والدة تايس، كانت قد وصفت بسام الحسن بإنه «كاذب ومريض»، وفي المتابعة ذكر تقرير الشبكة أن فريقها حاول الاتصال بـ«المرؤوس الذي قام بتنفيذ حكم الإعدام الصادر عن بشار الأسد ضد تايس»، والموجود حاليا في روسيا، إلا إن الأخير رفض «الرد على الأسئلة».
لربما استطاع تحقيق الـ«CNN» أن يضيف شيئا جديدا في ملف تحديد مصير الصحفي أوستن تايس، من حيث أنه عمد إلى ملاحقة «الخيوط»، الفعل الذي فشل فيه نتيجة الانقطاع الحاصل عند «المرؤوس المنفذ» الذي رفض الرد على الأسئلة، لكن هذا الجديد ليس كافيا لطي ملف تايس الذي من المقدر له أن يشهد فصولا أخرى، وعلى مدى ليس بالقصير قبيل أن يجري حسمه.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:53
الإخبارية السورية: قوات الاحتلال الإسرائيلي تقصف بقذائف المدفعية الأراضي الزراعية المحيطة بسد المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط.
-
23:37
ترامب: أريد فصل ملف إعادة فتح مضيق هرمز والأعمال العدائية والتطورات الجارية في لبنان.
-
23:37
ترامب: في الصفقة المرتقبة لن يسمح لإيران بالحصول على سلاح نووي وبعد التوقيع سيتم فتح مضيق هرمز سريعا.
-
23:36
ترامب: إيران وافقت على حصولنا على الغبار النووي وسحقنا المنشآت والمواد النووية مدفونة تحت الأرض.
-
23:36
ترامب: الاتفاق الحالي إذا تم مع إيران سيكون نقيضا للاتفاق السابق الذي وقعه أوباما.
-
23:35
ترامب: إذا وقعت إيران الوثيقة وهو أمر بات قريبا جدا فسيكون ذلك إنجازا مهما.
