رغم التقدم النظري في أساليب التربية الحديثة، لا تزال بعض المدارس اللبنانية تعتمد على ممارسات تقليدية قائمة على العقاب السلبي، مثل حرمان التلميذ من الاستراحة، أو العقاب البدني، أو التنمر داخل الصف، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول أثر هذه الأساليب على التطور النفسي والاجتماعي للتلميذ وعلى البيئة التعليمية ككل. هذه التصرفات، التي يُفترض أن تهدف الى ضبط السلوك، قد تكون أكثر ضررا من نفعها، وتكشف عن فجوة واضحة بين السياسات التربوية الرسمية والتطبيق الفعلي في بعض المؤسسات.
في ضوء ما تقدم، فتحت "الديار" هذا الملف بعد تلقيها عدة شكاوى تتعلق بهذه الافعال، كان أبرزها حادثة صادمة في إحدى المدارس الكسروانية، حيث تعرَّض تلميذ للركل والضرب والتنمر، ثم حُرم من الاستراحة كعقاب من أحد المربين. وما يزيد من خطورة الحدث، بحسب أحد التربويين في المنطقة، هو تجاهل وزارة التربية لهذه الانتهاكات وعدم تحركها لمعالجتها، وهو ما يطرح علامات استفهام حول جدية متابعة حقوق التلاميذ في بعض المؤسسات التعليمية.
ومن هذا المنطلق، يثير استمرار الأساليب التقليدية في القطاع التربوي، تساؤلات حقيقية حول بدائل تربوية أكثر فاعلية وآمنة، وكيفية موازنة ضبط السلوك مع احترام حقوق الطفل وتلبية احتياجاته الحركية والاجتماعية والتعلمية.
الحرمان من الفرصة قائم!
وفي هذا السياق، توضح ممثلة المتعاقدين في التعليم الثانوي، منتهى فواز، لـ "الديار" أن حرمان التلميذ من الاستراحة يحدث عادةً في التعليم الأساسي، بينما في الثانوي لا نعتمد هذا الأسلوب إطلاقًا. وهناك بالفعل مدارس تتبع هذا النهج، ولا سيما في القطاع الخاص، بخلاف المدارس الرسمية حيث تُسجَّل مثل هذه الحالات بشكل نادر جدا".
وتضيف: بعض المدارس الخاصة تحرم التلميذ الذي لم يحفظ درسه من فترة الاستراحة ليُعيد تسميعه، لكنها تتيح له تناول طعامه؛ وبذلك يحصل على فرصته للأكل لا للراحة. أما في التعليم الثانوي، فلا نطبّق هذا المبدأ إطلاقًا، إذ على العكس، عندما يدقّ الجرس يجب أن يخرج جميع الطلاب إلى الملعب، ويُمنع بقاء أي تلميذ في الصف".
وتشدّد على أنه "في المدارس الرسمية يُفضَّل أن ينزل جميع التلاميذ إلى الملعب أثناء الاستراحة، لأن أحدهم قد يضيّع غرضا ويقول: فقدت أشيائي، ثم يتهم التلميذ الذي كان موجودا في الصف. ومن هنا، يُمنع منعا باتا بقاء أي تلميذ داخل الصف خلال الفرصة، حتى وإن كان مريضا، إذ تتولّى الناظرة استضافته لديها حتى لا يظل في الصف، تفاديا لأن يُتَّهَم من قبل أحد زملائه أو يختلق أحدهم حادثة ويدّعي أن أغراضا أُخذت من حقيبته. وهذا يدلّ على أن مستوى الحذر في القطاع الرسمي مرتفع، بخلاف ما يحدث في معظم المؤسسات التربوية الخاصة، حيث تقع مثل هذه الأمور بكثرة."
ضرر الحرمان جسيم!
من جهتها، تقول الاختصاصية في العلاج الوظيفي الحائزة شهادة في علاج التكامل الحسي، عليا عباس:"حديثي عن قضية حرمان التلميذ من فرصته يأتي ضمن سلسلة فيديوهات توعوية حول موضوع المعالجة الحسية والعلاج الحسي."
وبعد الفيديو الذي بثته عباس على صفحاتها على مواقع التواصل واثار ضجة عارمة من قبل المتابعين، حيث وصلت نسخة منه الى "الديار"، وذلك لان ما ذكرته عباس يجري في بعض المؤسسات التربوية الخاصة. تعود لتكشف عباس لـ "الديار":"لم أتلقَّ أي ملاحظات من الأهالي حول مدرسة معينة، وإنما تحدثت عن الطرق التقليدية المتبعة في العقاب، والتي كانت تُطبَّق سابقًا وربما لا تزال تحدث. علما بان هذه الطريقة كانت معتمدة على ايامي عندما كنت ما أزال تلميذة في المدرسة، ولكن اسمع أنها تحدث حاليا من قبل أولياء الأمور، لكنها ليست حالة محددة فعليا. لذلك، لفتت الانتباه الى الجانب العلمي المتعلق بها، ولم أتطرق إلى الجانب النفسي. كما بيّنت مدى تأثير هذه الممارسات في فقدان التلميذ لفرص تلبية احتياجاته في ذلك الوقت، بما يشمل الحركة والتفاعل مع زملائه واللعب معهم وتطوير علاقاته."
وتضيف: "سلطت الضوء على هذه الممارسة التي كانت متبعة في السابق، ولا تزال تُطبق أحيانا حتى وقتنا هذا، ومدى تأثيرها في حال استمرارها. إذ من الأفضل أن يكون العقاب إيجابيا وليس سلبيا، بحيث لا يتضمن حرمان التلميذ من أمر يُعد حقه، وفي الوقت نفسه يعود عليه بالنفع والفائدة."
الاستراحة ضرورية لهذه الاسباب
وتتابع: "للأسف، لا تزال العديد من المدارس تعتمد حرمان التلميذ من الاستراحة كوسيلة للعقاب، إلا أن هذه الممارسة تُلحق الضرر أكثر مما تنفع. وتؤكد الدراسات أن حركة التلميذ تنشط الدماغ، وتزيد من تدفق الدم والأوكسجين إليه، وترفع مستوى الدوبامين، وهي المادة التي تساعد على التركيز والانتباه وتنظيم السلوك. خلال الاستراحة، يحرك التلميذ جسده ليُفرغ الطاقة الزائدة، ويُنشط الجهاز الحسي، ويمكن اعتبار هذه الفترة كإعادة تنشيط الدماغ وتجهيزه للتعلم، مما يمكّنه من العودة إلى الصف أكثر تركيزا واستعدادا للاستيعاب. لذلك، عند حرمانه من الاستراحة، فإننا عمليا نحرمه من فرصة تنظيم جسمه وعقله. من الأفضل أن تُخصص فترة الاستراحة للحركة الحرة، لتنمية المهارات وتحضير الدماغ للدروس المقبلة."
منهجية للعقاب ايجابية
استنادا الى ما ذكر، يواجه المعلمون في بيئة المدرسة أحيانا مواقف تتطلب ضبط السلوك وتنظيم الصف. ومع ذلك، فإن استخدام العقاب الجسدي أو النفسي لم يعد مقبولًا تربويا، لما له من آثار سلبية في الطفل. من هنا تبرز أهمية البحث عن وسائل أكثر فاعلية وإنسانية للتعامل مع الطلاب، توازن بين الحفاظ على النظام داخل الصف واحترام حقوق الطفل، وتضمن بيئة تعليمية آمنة تحفّز التعلم والنمو النفسي. وفي هذا الإطار، توضح متخصصة في الاشراف التربوي في بلغاريا، السيدة اميمة لـ "الديار" ان: "الحديث عن أهمية اختيار الأساليب التربوية الصحيحة عند الحاجة إلى العقاب وكيفية تطبيقها بطريقة إيجابية وبناءة يتطلب تطبيق الخطوات الآتية:
1- التأديب الإيجابي بدل الجزاء العقابي: ويكون باستبدال العقاب البدني أو الإذلال النفسي بعقوبات تربوية مناسبة، مثل تكليف الطالب مهمة صفّيّة إضافية، أو نشاط جماعي يعود بالنفع على المجموعة، والهدف هو تعزيز الشعور بالمسؤولية، دون إيذاء الطفل.
2- الترسيخ الإيجابي: مكافأة السلوك الجيد أفضل من معاقبة السلوك السيئ، مثل كلمات تشجيعية، نقاط أو ملصقات، أو مهام قيادية صغيرة تمنح الطفل شعورا بالمسؤولية والفخر.
3- الإرشاد بدل التوبيخ: عند وقوع الخطأ، يجب استخدام الحوار الهادئ لشرح عواقب السلوك بدل الصراخ أو الإذلال، اذ يساعد في تعليم الطفل التفكير واتخاذ القرار الصحيح بدلاً من الاعتماد على التخويف.
4- تطبيق قواعد واضحة ومتسقة: ينبغي وضع قوانين واضحة ومعلنة للصف منذ البداية، مع التأكيد على أن الجميع يخضع لها. عندما يعرف الطفل الحدود مسبقًا، يقل احتمال تصرفه بشكل خاطئ، ويصبح العقاب، إذا لزم، متوقعا وعادلًا.
5- تخصيص وقت للتفريغ النفسي: لا بد من إعطاء الطلاب مساحة للتعبير عن مشاعرهم أو الانخراط في نشاط بدني او فنّي أثناء الفرصة، مما يقلل التوتر ويوطد التركيز لاحقا.
6- تطبيق أساليب إدارة صفية فعّالة: من الضروري تنظيم الصف، توزيع الأدوار، واستخدام الإشارات البصرية أو الصوتية للتحكم بالسلوك، دون اللجوء الى الصراخ أو العقاب الجسدي، بغية التحكم في الصف بطريقة هادئة ومنظمة.
7- التواصل مع الأهل: من المهم إشراك الأهل في توجيه السلوك بدل معاقبة الطفل وحده، اذ يتجاوب الأطفال بشكل أفضل مع تنسيق الأسرة والمدرسة حول قواعد السلوك.
في الخلاصة، الهدف هو بناء بيئة صفيّة آمنة ومحفزة، حيث يتعلم الطفل السلوك الصحيح من خلال التوجيه، التعزيز الإيجابي، والفهم، وليس من خلال الخوف أو الإذلال.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:55
قصف مدفعي إسرائيلي شمال شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة
-
23:54
بقائي: يجب حث الدول المعنية على الكف فوراً عن السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها كمنصات انطلاق للعدوان على إيران
-
23:54
بقائي: من غير المسؤول إطلاقاً لوم إيران على دفاعها عن سيادتها مع التقاعس عن محاسبة المعتدين على انتهاكهم للقانون الدولي
-
23:45
ارتفاع حصيلة زلزالي فنزويلا إلى 4490 قتيلا
-
23:45
رئيس المجلس الأوروبي: إرث الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أرسى دعائم الشراكة القوية بين الاتحاد الأوروبي ودولة قطر
-
23:45
الديوان الأميري القطري: إعلان الحداد العام في كافة أنحاء الدولة على فقيد الوطن الكبير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني 4 أيام اعتبارا من الأحد
