اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في الوقت الذي يواصل فيه الروس محاولات تثبيت قواعدهم على الساحل السوري، وإضفاء «الشرعية» عليها، عبر العمل على خلق تفاهمات جديدة مع السلطات الراهنة في دمشق، ويواصل الأتراك العمل على إنشاء قواعد جديدة لهم في حماة وحلب ودير الزور، مضت الولايات المتحدة نحو تثبيت وجود عسكري لها على مقربة من العاصمة دمشق، في بلد كان من المفترض له أن يشهد الإعلان عن انسحاب كل القوات الأجنبية الرابضة على أراضيه، بعيد الإعلان عن «تحرره»، وخلاصه من «النفوذ الإيراني»، الذي شكل ذريعة لوجود العديد من تلك القوات.

لكن الواقع ومآلاته يشيران إلى العكس، وشيئا فشيئا ترتسم ملامح المشهد أكثر فأكثر، فالجغرافيا السورية اليوم باتت مقسمة إلى أربع مناطق نفوذ: روسية في الساحل، تركية في الشمال والشرق، و«اسرائيلية» في الجنوب، وأميركية في الشرق والجنوب. ولربما يشير هذا إلى الانتقال من مرحلة الصراع المفتوح، الذي كان سائدا على الأرض السورية منذ نحو عقد ونصف، إلى مرحلة تقاسم النفوذ، والتوافق على إنشاء توازنات جديدة في المنطقة، انطلاقا من تلك الحاصلة على الأرض السورية.

نشرت وكالة «رويترز» تقريرا لها يوم الخميس الفائت، جاء فيه إن «الولايات المتحدة تستعد لتأسيس وجود عسكري لها في قاعدة جوية بدمشق»، واضافت الوكالة في تقريرها أن ذلك يأتي «للمساعدة في تنفيذ اتفاق أمني، تتوسط فيه واشنطن بين سوريا و «اسرائيل»، وفقا لما ذكره مصدر أميركي للوكالة.

فيما ذكر مصدر سوري للوكالة ذاتها أن» المحادثات الفنية تركزت على استخدام القاعدة للخدمات اللوجستية، والمراقبة والتزود بالوقود، والعمليات الإنسانية، مع احتفاظ سوريا بالسيادة الكاملة على المنشأة». وأضاف مصدر سوري آخر للوكالة أيضا إن «المحادثات بشأن إنشاء القاعدة، كانت قد نوقشت خلال زيارة براد كوبر (قائد القيادة المركزية الأميركية) لدمشق يوم 12 أيلول الماضي»، مشيرا إلى أن «الولايات المتحدة وصلت إلى القاعدة بطائرات من طراز (C130)، للتأكد من صلاحية المدرج للاستخدام».

الجدير ذكره في هذا السياق، أن ناشطين كانوا قد تداولوا عشية نشر «رويترز» لتقريرها على مواقع التواصل، مشاهد لهبوط طائرة نقل عسكرية من طراز (C130) في مطار المزة العسكري بتاريخ 2 تشرين الأول الفائت.

وفي هذا المجال، أفاد مصدر محلي مطلع في اتصال مع «الديار» أن «هذا المشهد (هبوط طائرة C130)، كان قد تكرر مرارا خلال الشهر الماضي ومطلع الشهر الجاري»، وأضاف أن «الأميركيين قاموا خلال الأسبوعين الماضيين بالعديد من المهام الاستطلاعية للقاعدة بغرض التحقق من جاهزيتها، وأن خلاصة تلك المهام أفادت بأن مدرج القاعدة الطويل جاهز للاستخدام الفوري».

وفق ما رشح عن تقرير الوكالة، فإن الغرض الأساسي من هذه الخطوة الأميركية، هو تمكين الاتفاق الأمني المزمع عقده بين دمشق و«تل أبيب»، وهو الاتفاق الذي جرى الحديث عن إمكان توقيعه بين الطرفين، خلال زيارة الرئيس السوري لنيويورك في شهر أيلول الماضي، والتي جاءت على خلفية مشاركته في اجتماعات الدورة 80 من أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن الفعل كان قد تأجل، ليعود الحديث عنه مجددا، بالتزامن مع الزيارة التي سيقوم بها الشرع إلى واشنطن هذا الأسبوع.

وقد أشارت العديد من التقارير الغربية إلى «ضغوط كبرى تمارسها واشنطن على دمشق، بغرض دفعها إلى توقيع اتفاق أمني مع «تل أبيب» قبيل نهاية العام الجاري».

بعيدا عن المعلن، فإن الخطط الأميركية الرامية إلى تثبيت وجودها في العاصمة السورية، من شأنها أن تكون في سياقات أبعد مدى، وهي ذات مرام عديدة، أبرزها إعادة تنظيم العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين، ما يكرس انخراطا أميركيا كاملا في شكل وتوجهات سوريا بالمستقبل، والتي ستشكل مدخلا لإحداث تغييرات كبرى على امتداد المنطقة.

والراجح هنا أن قرار واشنطن إنشاء قاعدة عسكرية على مقربة من العاصمة دمشق، سوف تعقبه قرارات أخرى مشابهه خلال وقت ليس بالبعيد، تقضي بإنشاء قواعد أخرى في الساحل السوري، ولربما في حمص وسط البلاد، حيث سيكون الهدف الأهم منها إثبات «علو كعب» واشنطن على امتداد الساحة السورية، التي كثيرا ما تسوق الأدبيات الغربية لحقيقة، أن السيطرة عليها يمثل سبيلا للسيطرة على المنطقة، بل وللسيطرة على التحولات التي يمكن لسوريا أن تشهدها.

وما يعزز هذه التقديرات، هو الملفات التي سيكون الشرع على موعد معها، عشية لقائه بالرئيس الأميركي في البيت الأبيض يوم الاثنين المقبل، فإذا كان الأهم منها هو ملف «تنظيم داعش» والموقف منه، وملف «السلام الإبراهيمي» وكيفية الانخراط فيه، فإن ملف «الأمن الداخلي وأمن الأقليات» يبقى شديد الأهمية، إذا ما أريد للحلول المقترحة للملفين السابقين النجاح. والمؤكد هو أن سعي واشنطن لتعزيز وجودها العسكري على امتداد الجغرافيا السورية، يهدف إلى المساعدة في هذا الملف الأخير، الذي يمثل شرطا لاستمرار الاعتراف الدولي، وشرطا «دفاعيا» ضد بقايا النظام السابق.


الأكثر قراءة

“المركزي” سيُمّدّد العمل بالتعميمين ١٥٨ و١٦٦ من أول تموز