اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تتحدّث مصادر صحفية عن إمكانية قيام رئيس الجمهورية، بإصدار وتنفيذ مشروع تعديل قانون الانتخابات النيابية، عن طريق استعماله المادة 58 من الدستور التي تخوّله حق إصدار بموجب مرسوم له قوة القانون كل مشروع قانون منحته الحكومة صفة الإستعجال، وذلك بعد إدراجه في جدول أعمال جلسة عامة وتلاوته، ومضي أربعين يوماً دون أن يبتّ به المجلس النيابي.

ولا بدّ لنا هنا من التمييز بين المادة 58 قبل تعديلها في العام 1990 أي قبل إتفاق الطائف، والمادة 58 بعد تعديلها.

فالمادة 58 القديمة نصّت على أنه <كل مشروع تقرّر الحكومة كونه مستعجلاً بموافقة مجلس الوزراء، مشيرة إلى ذلك بمرسوم الإحالة يمكن لرئيس الجمهورية بعد مضي أربعين يوماً من طرحه على المجلس، دون أن يبتّ به أن يُصدر مرسوماً قاضياً بتنفيذه بعد موافقة مجلس الوزراء>.

عندما تمّ اعتماد نص هذه المادة في العام 1927، كانت آنذاك محطّ انتباه رجال القانون والسياسة، نظراً لفرادتها في الدستور اللبناني. وكان المحامي الدكتور ندي تيّان قد سلّط الأضواء عليها قائلاً: إنها المادة الوحيدة المبتكرة في الدستور، ولقد كُتبت من لبنانيين من دون أن تكون مقتبسة أو مستوحاة من أي نص دستوري. في حين اعترف الدكتور إدمون ربّاط بابتكارية هذه المادة، معتبراً إياها صنيعة الإنتداب الفرنسي.

وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، مدرجين هذه المادة في إطار عقلنة التشريع، أي إعطاء الحكومة القدرة على التحرّك في حالتي العجلة، وتقاعس البرلمان عن البتّ في أي مشروع قانون، تقرّر الحكومة كونه مستعجلاً خلال مهلة أربعين يوماً من طرح المشروع على مجلس النواب.

وبكلمة مختصرة تعني عقلنة التشريع تكيّف الطرق والوسائل التشريعية مع الضرورات الواقعية المستجدّة، أو هي استبدال إجراءات تشريعية بغيرها، وفقاً لتعبير العلاّمة الفرنسي <بيردو>.

وتبيّن الوقائع أن المادة 58 هذه، قد أعطت دفعاً جديداً الى الحكومة مكنّها من تنفيذ مشاريع معجلة بموجب مراسيم لها قوّة القوانين، في حال تباطأ البرلمان أو تقاعس عن بتّها أو إقرارها خلال مهلة أربعين يوماً من تاريخ طرحها عليه.

لكن السؤال الواجب طرحه هنا، هل يبدأ سريان مهلة الأربعين يوماً من تاريخ طرح مشروع القانون المعجل على المجلس النيابي، أو من تاريخ إحالته إليه. نشير هنا إلى أن الطرح يعني عرض المشروع على المجلس النيابي، في حين الإحالة تعني وروده الى المجلس النيابي.

اعتبر النائب إميل إدّه (محاضر مجلس النواب عام 1927)، أن المهلة يجب أن تبدأ من تاريخ طرح مشروع القانون المعجّل على المجلس، في حين رأى رئيس الحكومة (بشارة الخوري) أن <مسألة الطرح ليست من شأننا، نحن لا نملك غير حق الإحالة>، ولقد عنى بذلك أن مهلة الأربعين يوماً تبدأ من تاريخ الإحالة.

وبكلمات أوضح اعتبر الدكتور إدمون رباط أن سريان مهلة الأربعين يوماً يبدأ من تاريخ إحالة المشروع المعجل إلى مجلس النواب، أي تاريخ إيداعه مكتب المجلس ولقد عزّز رأيه هذا قائلاً، أنه بإمكان رئيس مجلس النواب تعطيل المادة 58 إذا أراد عدم طرح المشروع على المجلس.

إضافة إلى ذلك، نذكر هنا أن المادة 58 قد وُضعت أصلاً لإيجاد التوازن بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، لا بل لتقوية السلطة التنفيذية إزاء مجلس النواب.

المادة 58 الجديدة

ومن هذه الزاوية نطلّ على المادة 58 الجديدة والعائدة للعام 1990، أي إتفاق الطائف وهي السارية المفعول حالياً. فلقد أضاف النص الجديد للمادة 58 شرطين أساسيين لكي يتمكن رئيس الجمهورية من إصدار أي مشروع قانون معجل بمرسوم تنفيذي له قوّة القانون في حال لم يبتّ به المجلس خلال مهلة أربعين يوماً. فلم يكتف النص الجديد بالشرط الوارد بشكل عام وملتبس في المادة القديمة أي طرح المشروع على المجلس بل أضاف شرط إدراجه في جدول أعمال الجلسة العامة وتلاوته فيها. ممّا يعني أن سريان مهلة الأربعين مرهون بإدراج المشروع المعجل في جدول أعمال جلسة عامة وتلاوته فيها.

وهنا لا بد لنا من طرح السؤال التالي: من له الحق بإدراج مشاريع القوانين في جدول أعمال الجلسات لكي يُصار بعد ذلك إلى تلاوتها في المجلس النيابي.

لقد نصّت المادة 8 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أن تتولى هيئة مكتب المجلس تقرير جدول الأعمال لكل جلسة من جلسات المجلس وأن الواضح لدينا أن رئيس المجلس النيابي هو الذي يرأس هذه الهيئة بمعاونة ستة نواب. كما نصّت المادة 54 على أن يعيّن رئيس المجلس مواعيد الجلسات ويطبّق جدول الأعمال.

والشيء المستنتج من نص المادة 8 والمادة 106 من النظام الداخلي لمجلس النواب أن مشروع القانون المعجل يُدرج في جدول أعمال الجلسة النيابية ثم يُتلى على المجلس النيابي وإن تلاوته هذه تعْني بلا شك طرحه.

وهكذا، يتجلّى لنا ممّا تقدّم أن سريان مهلة الأربعين يوماً لا يبدأ إلا بعد إدراج المشروع المعجل في جدول أعمال الجلسة النيابية وهذه من صلاحية هيئة مكتب المجلس التي يرأسها رئيس المجلس. ولا يُحدّد موعد الجلسة إلا بقرار من رئيس المجلس أيضاً حيث يتم تلاوته أو طرحه.

يحق لمجلس النواب أن يمارس

صلاحيته التشريعية كاملة

وهكذا ينتهي المطاف بنا إلى القول، بأنه من أولويات رئيس المجلس ومهماته الأساسية أن يعمد الى تطبيق مواد الدستور والنظام الداخلي للمجلس النيابي من دون أي تباطؤ، ووفقاً لما تقتضيه المناقبية البرلمانية، كيف لا ونحن نتحدث عن واجب دستوري فلقد وُجد القانون لكي يطبّق وإلا فلا لزوم له.

ويجدر بنا الإنتباه هنا، إلى أن تعديل المادة 58 في العام 1990 والذي أضاف شرطي <إدراج المشروع المعجل في جدول أعمال جلسة عامة وتلاوته فيها> قد تمّ، وفقاً لرأينا، بضغط من النواب المؤيدين بقوة لحقهم الحصري بالتشريع من دون أن يشاركهم أي طرف آخر في هذه الصلاحية الدستورية. ولا ننسى تأثرهم باجتهاد مجلس شورة الدولة أي القرار رقم 8، الخوري على الدولة، تاريخ 9/12/1970 والذي نصّ على أنه>...لا يعتبر المجلس النيابي متأخراً إلا إذا كان المشروع قد عُرض عليه كهيئة تقوم بعملها، ولا يكون هنالك عرض إلا إذا أُتيح له أن ينظر فيه، ولا يتم ذلك إلا بإدخاله في جدول أعمال إحدى الجلسات وتلاوته فيها للتصرف فيه>.

بقي أمامنا أن نشير إلى أنه لكي تجري الأمور وفقاً لمسارها القانوني والدستوري السليم، فإنه يقتضي على من يتولى مسؤولية دستورية أن يعمد من دون أي تأخر، عندما يرد إليه أي مشروع معجل بموجب المادة 58 إلى إدراجه في جدول جلسة نيابية، لكي يُصار الى تلاوته تيسيراً لسريان مهلة الأربعين يوماً.

هذا ويهمّنا التشديد على أنه يحق لمجلس النواب أن يمارس صلاحيته التشريعية كاملة، إما بإقرار مشروع القانون المعجّل أو تعديله أو ردّه دون التعرّض لصفة الإستعجال (المادة 105 من النظام الداخلي). أن العبرة أولاً وآخراً تكمن في تطبيق النصوص القانونية والدستورية وهذا مطلب طبيعي لكل مواطن صالح مخلص لوطنه وملتزم بقوانينه.

*دكتور في القانون العام

الأكثر قراءة

“المركزي” سيُمّدّد العمل بالتعميمين ١٥٨ و١٦٦ من أول تموز