قال نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب في الصلاة اليوم: نحن لا نريد مواجهة الحكومة، وإنما وضع النقاط على موارد الخلل في الحلول ومساعدتها على إيجاد الحلول المناسبة والمنصفة التي تفيد المواطن والدولة على السواء، وتساعد على الاستقرار في البلد الذي لا ينقصه أزمات إضافية، كما أن الحلول لا تكون بالتهرّب من الأزمات ولا باختراع حلول تستبدل أزمات بأزمات أخرى.
والحقيقة أن المسألة لا تبدو مجرّد أرقام في موازنة، ولا مجرّد خلاف حول نسبة ضريبة هنا أو رسم هناك. ما يجري هو أعمق من ذلك بكثير، إنه اختبار جديد للعلاقة بين الدولة ومواطنيها، بين السلطة والناس، بين القرار المالي والاستقرار السياسي.
حين قرّرت الحكومة فرض 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%، قُدِّم الأمر على أنه ضرورة لتأمين موارد تمكّنها من زيادة رواتب القطاع العام. لكن ما لم يُحتسب بدقّة هو أن البنزين ليس سلعة معزولة، بل مدخل إلى كل سلعة. وما لم يُنتبه إليه أن الضريبة على القيمة المضافة ليست رقمًا تقنيًا، بل عبء يومي يطاول الخبز والدواء والنقل والكهرباء وكل تفصيل في حياة اللبنانيين.
مع مطلع شهر رمضان المبارك كنّا ننتظر من الحكومة أن تتخذ إجراءات تلجم الأسعار التي اعتدنا دائمًا أن تفلت من عقالها خلال الشهر الكريم، لكن الحكومة بدلًا من ذلك أقرت سلّة ضريبية دفعت الأسعار إلى الارتفاع بشكل جنوني وأرهقت كاهل المواطنين، وذلك تحت ذريعة تغطية الزيادة على رواتب موظفي القطاع العام والعسكريين.
إننا لسنا بالطبع ضد تصحيح الأجور للموظفين والعسكريين، بل نطالب بتصحيح عادل لهذه الأجور، لكن الحكومات دأبت على سلوك أهون السبل وأقصرها لتحصيل موارد مقابلة لخزينة الدولة من خلال الضرائب غير المباشرة بما يُرهق الناس، فتعطي بيد وتأخذ من المواطنين باليد الأخرى، متجنّبة سلوك السبل التي تتطلب جرأة ومسؤولية، والتي لم تتوافر سابقًا ولا حاليًا لدى المسؤولين.
لقد ارتفعت الأسعار بسرعة، وتدحرجت الزيادات من محطة الوقود إلى السوق، ومن السوق إلى مائدة الناس، خصوصًا ونحن في هذا الشهر الفضيل. وقبل أن تصل الرواتب المعدّلة إلى جيوب الموظفين تبخّرت، وكأن الزيادة لم تكن. هكذا تحوّلت خطوة كان يُفترض أن تكون إنصافًا إلى عنصر إضافي في معادلة التضخم، وتحوّل الدعم الموعود إلى شعور بالخذلان.
فالمشكلة ليست في حاجة الدولة إلى الإيرادات، فالدولة تحتاج بلا شك إلى تمويل لتسيير مرافقها. المشكلة في الخيار الأسهل الذي اعتادت عليه الحكومات المتعاقبة، وهو مدّ اليد إلى جيب المواطن. في المقابل، لا تزال مكامن الهدر قائمة، والتهرّب الضريبي واسعًا، والمعابر غير المضبوطة تستنزف الخزينة، وقطاعات كاملة خارج الرقابة الفعلية. ولا تزال الأملاك العامة مستباحة، والجباية غير العادلة سائدة، والضرائب التصاعدية غائبة. كل هذه المجالات تمثل مصادر محتملة لإيرادات مستدامة وعادلة، لكنها تتطلب قرارًا سياسيًا شجاعًا يواجه أصحاب النفوذ بدلًا من إرهاق أصحاب الدخل المحدود، وهو ما يبدو أن السلطة السياسية إمّا عاجزة عن اتخاذه أو لا تريد.
ومع الضيق الاقتصادي يتسلّل خطر سياسي لا يقل خطورة. حين يشعر المواطن بأن الدولة لا تحمي قدرته الشرائية ولا تؤمّن الحد الأدنى من العدالة، يتحوّل الضيق إلى نقمة، والنقمة إلى فقدان ثقة. والتاريخ اللبناني علّمنا أن الشرارة المعيشية كثيرًا ما تتحوّل إلى أزمة شرعية. الحكومة قد تتمكّن من تسجيل رقم إضافي في بند الإيرادات، لكنها تخاطر بخسارة ما هو أثمن: ثقة الناس.
المطلوب ليس خطابات وتصريحات مطمئنة، بل خطة واضحة تعالج مكامن الهدر، وتعيد توزيع العبء بصورة عادلة، وتؤكد أن الدولة تقف إلى جانب مواطنيها لا في مواجهتهم. فلبنان بات لا يتحمّل مزيدًا من السياسات القصيرة النظر. كل قرار مالي يحمل في طيّاته أثرًا اجتماعيًا، وكل أثر اجتماعي قد يتحوّل إلى واقع سياسي.
الآن يقف البلد أمام لحظة مراجعة حاسمة، فإمّا أن يُصار إلى تصحيح المسار قبل أن يتراكم الغضب، وإمّا أن تكتشف السلطة متأخرة أن كلفة تجاهل الناس أعلى بكثير من أي عجز في الموازنة.
أمّا على الصعيد الأمني، ففي الوقت الذي ينشغل فيه اللبنانيون بلقمة عيشهم، تستمر الاعتداءات "الإسرائيلية" على الأراضي اللبنانية من دون أن يلمس الرأي العام موقفًا رسميًا بمستوى الخطر. إن حماية السيادة ليست بندًا ثانويًا في جدول الأعمال، بل جوهر وجود الدولة، وأي تقصير في هذا المجال يعمّق الإحساس العام بأن الدولة لا تحمي الحدود كما لا تحمي حياة اللبنانيين ومعيشتهم.
وهذا يستوجب أن تقوم الحكومة بمهمة مزدوجة: أن تعيد النظر في سياساتها المالية والضريبية بما يحقق العدالة ولا يفاقم التضخم. ونحن نعرف أن الضرائب وسيلة مشروعة في كل الدول والسياسات الاقتصادية لقاء تقديم الخدمات التقليدية للمواطنين، ولكن للضريبة أصولها وآلياتها، وهو ما لم تتبعه السلطات عندنا تاريخيًا. فالله سبحانه وتعالى شرّع الزكاة على المسلمين من أجل تحقيق نوع من التوازن بين القادرين والمحتاجين، فأنصف أهل الفقر من أهل الغنى، إلا أن الحكومات عندنا تفرض الضرائب فتساوي بين الفقير والغني، وفي معظم الأحيان ترهق الفقراء من دون أن تزعج الأغنياء، وهذا أمر لا يرضى به الله عز وجل، ويعكس اضطرابات في الشارع شاهدنا بعضها خلال الأيام الماضية، ونخشى أن تتطوّر خلال المرحلة المقبلة.
لذلك كلّه نطالب الحكومة بأن تعيد النظر في الضرائب التي فرضتها على الناس، ونراهن على مجلس النواب الذي رُبطت الزيادات والضرائب بموافقته أن يعتمد الحكمة في مناقشة هذه الأمور، خاصة أن الحكومة لم تكن موحّدة خلال اتخاذ هذه القرارات.
كما نطالب الحكومة بأن تتحرّك سياسيًا ودبلوماسيًا لحماية لبنان ووقف العدوان "الإسرائيلي" المتمادي عليه، وتحرير أرضه من المحتلّين الصهاينة، وإطلاق الأسرى، وإعادة إعمار ما هدمته الحرب.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
14:47
وزارة الخارجية القطرية: رئيس مجلس الوزراء أكد لعراقجي ضرورة تجاوب الجميع مع جهود السلام بهدف تهيئة الظروف الملائمة لتقدم المفاوضات
-
14:22
الخارجية القطرية: أمن الملاحة البحرية ركيزة أساسية للأمن والاستقرار ولا يجوز المساس بهما تحت أي ظرف
-
14:21
وزارة الخارجية الايرانية: عراقجي بحث مع نظيره القطري محمد بن عبد الرحمن آخر المستجدات الإقليمية والعملية الدبلوماسية الجارية
-
13:55
"الوكالة الوطنية": شهيد وجريح في غارة استهدفت خراج القطراني في جزين
-
13:54
مدير مكتب الميادين في بغداد: القاعدة الإسرائيلية التي أقيمت سراً في العراق ليس معلوماً إلى اللحظة طبيعة دورها بالمرحلة الماضية
-
13:54
مدير مكتب الميادين في بغداد: القاعدة أقيمت في مكان اختير بعناية وجرى اكتشافها بالصدفة و"إسرائيل" أتلفت محتوياتها
