"لم يعد السؤال اليوم متى تنضم تركيا إلى أوروبا، بل كيف ستنجو أوروبا بدون تركيا؟" بهذه الندية، اختصر الرئيس رجب طيب أردوغان في مطلع أيار/ مايو 2026 مشهد العلاقات المتوترة مع القارة العجوز، مؤكداً أن بنية أوروبا المستقبلية ستظل ناقصة بدون أنقرة. هذا الخطاب يمثل إعلاناً رسمياً عن تحول العقلية التركية من "الاستجداء التاريخي" للعضوية إلى موقع "اللاعب المركزي"؛ فبينما يغلف الكبرياء نبرة أنقرة، تفرض الحقائق الأمنية واقع "العناق الإجباري" في معادلة باتت فيها حاجة بروكسل لأنقرة تفوق حاجة الأخيرة للاتحاد.
ومع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز وتدهور الأوضاع في إيران بربيع 2026، برزت تركيا كمركز عالمي (Hub) للطاقة لا بديل عنه، يدير بورصة إقليمية تعوض النقص الحاد في الإمدادات الشرقية. ففي الوقت الذي استغنت فيه أوروبا عن 155 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً، وجدت نفسها في حالة "ارتهان استراتيجي" للصمامات التركية التي تضخ إمدادات القوقاز وآسيا الوسطى عبر ممر "زنجزور" وطريق التنمية. هذا الثقل الطاقوي، المدعوم بسعة تخزينية هائلة في "سيلفيري" وتطور نووي لافت عبر محطة "آق قويو" التي دخلت الخدمة الفعلية، جعل من أنقرة "بورصة إقليمية" تتحكم في شريان الحياة الصناعي الأوروبي.
وفي ذروة هذا المشهد المعقد، جاءت المناورة التركية الأبرز في منتصف أيار/ مايو 2026 عبر توقيع "اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة" مع بريطانيا. هذه الخطوة مثلت "ضربة معلم" دبلوماسية؛ فمن خلال التحالف مع قوة أوروبية عظمى من خارج الاتحاد، نجحت أنقرة في الالتفاف على بيروقراطية بروكسل. هذه الشراكة، التي شملت تعاوناً عميقاً في تكنولوجيا الجيل الخامس من المقاتلات والذكاء الاصطناعي، منحت تركيا "ميزان ثقل" جديداً، ملوحة لبروكسل بأن البدائل الأوروبية موجودة وقوية، وأن المحور القادم قد يُصاغ بعيداً عن شروط المفوضية الأوروبية.
ورغم هذه الندية، لا تزال تركيا تتنفس اقتصادياً من الرئة الأوروبية؛ ففي عام 2026، يظل الاتحاد الأوروبي شريكها الأول بحصة تتجاوز 40% من صادراتها، ومصدر الاستثمارات التي تخطت 13 مليار دولار. غير أن هذا الترابط يصطدم بجدار سياسي وحملة تقودها إسرائيل واليونان لـ "شيطنة" أنقرة، حيث تسعى تل أبيب لانتزاع غطاء أوروبي لتصعيد عسكري تحت لافتة "تحرير شمال قبرص"، والهدف الحقيقي هو قص أجنحة تركيا لضمان التفوق الإسرائيلي. هذا التحريض يوقظ في بروكسل مخاوف قديمة لم تبرأ منها بعد؛ فأوروبا التي ترقبت سقوط "الرجل المريض" قديماً، لا تزال تخشى انبعاث القوة التركية التي طالما نافست ممالك القارة ووصلت خيولها إلى أسوار فيينا.
ويزداد المشهد تعقيداً مع عودة "دونالد ترامب" وتهديداته بالخروج من الناتو، مما وضع أوروبا في ذعر أمني؛ فإذا انسحبت أميركا، يصبح الجيش التركي (ثاني أكبر قوة في الحلف) هو الركيزة الأساسية لحماية القارة. هذا التموضع بين مطرقة الانسحاب الأميركي وسندان التمدد الروسي جعل استعداء تركيا "انتحاراً استراتيجياً"، وهو ما استغلته أنقرة لانتزاع مكاسب عسكرية، على رأسها صفقات "يوروفايتر" التي اضطرت بروكسل للموافقة عليها لضمان بقاء "الحارس التركي" في خندقها، مدعومةً بالزخم التقني الذي وفرته الشراكة الجديدة مع لندن.
في المحصلة، تبدو علاقة 2026 "زواج مصلحة" محكوماً بالتوجس؛ فبينما تملك أنقرة أوراق الجغرافيا، والطاقة، والبدائل الدبلوماسية (كالشراكة مع لندن)، تملك بروكسل مفاتيح المال والشرعية الدولية. لقد غادرت تركيا مربع الانتظار لتقف في مربع "الشريك المقتدر"، لتبقى الحقيقة الثابتة هي أن الطلاق بينهما مستحيل، والاندماج الكامل أصعب.
أستاذة جامعيّة - باحثة سياسيّة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:57
وزارة صحة الاحتلال الإسرائيلي تسجل 13 إصابة في صفوف قوات الاحتلال اليوم على الجبهة مع لبنان
-
23:54
الطائرات الحربية تحلق في أجواء القطاع الشرقي وترمي بالونات حرارية
-
23:49
وسائل إعلام إسرائيلية: مطار "بن غوريون" تحول إلى مطار عسكري أميركي ولا يوجد اليوم لدى "إسرائيل" مطار دولي يعمل بكفاءة
-
23:47
قاليباف: أي مقاربة أخرى ستكون عقيمة بالكامل ولن تؤدي إلا إلى فشل تلو الآخر
-
23:47
قاليباف: كلما طال ترددهم ومماطلتهم سيدفع دافعو الضرائب الأميركيين الثمن أكثر فأكثر
-
23:45
رئيس مجلس الشورى الايراني محمد باقر قاليباف: لا يوجد بديل سوى القبول بحقوق الشعب الإيراني كما وردت في المقترح الإيراني
