اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في الكواليس الدولية المحيطة بلبنان، لا يدور الصراع فقط حول وقف إطلاق النار، أو تثبيت الهدنة جنوباً، بل حول مَن سيرسم شكل الجنوب في المرحلة المقبلة، ومَن سيُمسك بالمفاتيح الأمنية والسياسية بعد الحرب. هنا تحديداً تتحرّك فرنسا بقلق متزايد، بعدما بدأت تشعر بأنّ واشنطن و"تلّ أبيب" تدفعان تدريجياً نحو تهميش دورها، في أكثر الملفات حساسية بالنسبة إليها: الجنوب اللبناني، الحدود، و"اليوم التالي لليونيفيل".

تنظر باريس إلى الجنوب على أنّه آخر نقطة ارتكاز فعلية لنفوذها العسكري والسياسي،ـ في شرق المتوسط لا تريد خسارتها. لذلك، فإنّ زيارة الموفد الرئاسي الفرنسي جان- إيف لودريان المرتقبة إلى بيروت، بعد عطلة عيد الأضحى- التي قد تتزامن مع أو تلي مفاوضات واشنطن السياسية في 2 و3 حزيران المقبل- تبدو محاولة فرنسية متقدّمة، لاستعادة موقعها داخل المشهد اللبناني، قبل تثبيت أي ترتيبات أمنية جديدة تُدار بالكامل من واشنطن.

فباريس تدرك أنّ ما يجري اليوم يتجاوز مجرد مفاوضات لوقف النار، ليصل إلى إعادة رسم التوازنات الأمنية والعسكرية في الجنوب، وربما إعادة تعريف دور القوّات الدولية نفسها. فضلاً عن تحديد الحدود الدولية للبنان، والتي ساهمت فرنسا أساساً في ترسيمها عام 1923 عبر اتفاقية بوليه – نيوكومب، قبل أن تزوّد الحكومة اللبنانية والجيش أخيراً بما تملكه من خرائط ووثائق قديمة تتعلّق بهذه الحدود.

وتكشف أوساط ديبلوماسية مطّلعة على الموقف الأوروبي، عن أنّ التحرّك الفرنسي تسارع بعد النقاشات الغربية المتزايدة حول مستقبل قوات "اليونيفيل"، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات "الإسرائيلية" لأدائها واتهامها بالفشل، فضلاً عن الحديث عن ضرورة الانتقال إلى "صيغة أكثر فعالية" في مواجهة حزب الله. وتخشى باريس أن يتحوّل هذا المسار إلى مدخل لإنشاء منظومة أمنية جديدة، بقيادة أميركية مباشرة تُقصى عنها فرنسا تدريجياً، رغم أنّها تُعدّ من أكبر المساهمين العسكريين والتاريخيين في "اليونيفيل".

هذا القلق تضاعف، بعدما تحدّدت مفاوضات واشنطن الأمنية (في 29 أيار الجاري)، وإدارتها عملياً خارج المظلّة الأوروبية، وسط تسريبات "إسرائيلية" متكرّرة عن ترتيبات تتعلّق بما يُسمّى "اليوم التالي لليونيفيل"، أي المرحلة التي قد تشهد إمّا تقليص دور القوة الدولية، أو استبدالها بقوة متعددة الجنسيات، أو بآلية أمنية جديدة ذات طابع أميركي أكثر وضوحاً.

لذلك، يحمل لودريان إلى بيروت، وفق الأوساط المطّلعة، سلّة أهداف تتجاوز الإصلاحات أو المساعدات الاقتصادية. فباريس تريد أولاً تثبيت نفسها "شريكاً إلزامياً" في أي ترتيبات أمنية مقبلة، وثانياً ضمان بقاء قوّاتها العسكرية في الجنوب، مهما تبدّلت طبيعة المهمة الدولية.

كما تسعى فرنسا إلى ربط أي صيغة مستقبلية بثلاثة عناصر أساسية هي: تعزيز دور الجيش اللبناني جنوب الليطاني، والاستعداد لاستضافة مؤتمر دولي لدعمه، والحفاظ على حضور أوروبي داخل آليات مراقبة وقف النار، وربط إعادة إعمار الجنوب بالدور الفرنسي.

من هنا، تقول الأوساط إنّ لودريان سيحمل معه ثلاثة ملفات أساسية لمناقشتها مع المسؤولين اللبنانيين:

⁃ الأول يتعلّق بمستقبل "اليونيفيل" وإمكان إعادة تشكيلها، أو تعديل طبيعة انتشارها وصلاحياتها، في ضوء التطوّرات العسكرية الأخيرة. فالجانب الفرنسي يريد استيضاح الموقف اللبناني الرسمي، من أي صيغة جديدة قد تُطرح دولياً، سواء لناحية عديد القوات أو طبيعة مهامها، أو حتى هوية القوى البديلة المحتمل إشراكها لاحقاً.

⁃ الملف الثاني، يرتبط مباشرة بالمفاوضات اللبنانية – "الإسرائيلية" الجارية برعاية أميركية. وتعتبر باريس، أنّ نجاح هذا المسار، قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية أكثر استقراراً على الحدود.

⁃ والشقّ الثالث من الزيارة سيكون داخلياً بامتياز، ويتعلّق بإعادة تأكيد الموقف الفرنسي التقليدي، الداعم لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتعزيز دور الجيش اللبناني. وتعتبر باريس أنّ استبعادها من هذه المعادلة، وفق الأوساط نفسها، سيحوّلها إلى مجرد مموّل خارجي، في الوقت الذي تدرك فيه أيضاً أنّ مهمتها لن تكون سهلة، لأنّ أي ترتيبات أمنية مقبلة ستبقى مرتبطة بتوازنات إقليمية معقّدة تتجاوز لبنان نفسه. لذلك، تبدو زيارة لودريان أقرب إلى تحرّك فرنسي إستباقي، لوقف تآكل نفوذ باريس في لبنان، ومحاولة لإعادة التموضع داخل الملف الجنوبي، قبل أن يصبح "اليوم التالي لليونيفيل" واقعاً جديداً، تُرسم حدوده الأمنية والسياسية بعيداً عن فرنسا. 

الأكثر قراءة

واشنطن تفاوض بالعقوبات... و«إسرائيل»تصعّد ميدانياً رفض مُخابرات عربيّة ودوليّة الإفراج عن موقوفين إسلاميين