اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تدخل كوبا واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، مع تصاعد الضغوط الأميركية إلى مستويات غير مسبوقة، وسط مخاوف من أن تؤدي سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى زعزعة استقرار الجزيرة ودفعها نحو أزمة اقتصادية واجتماعية قد تتجاوز حدودها الجغرافية.

ففي الوقت الذي تواجه فيه هافانا أزمات مزمنة تتعلق بالطاقة والاقتصاد والإمدادات الأساسية، يرى مراقبون أن الإجراءات الأميركية الأخيرة، وعلى رأسها تشديد الخناق على واردات النفط، تمثل تحولاً نوعياً في سياسة الضغط على النظام الكوبي، وقد تفتح الباب أمام مرحلة من الاضطرابات يصعب التنبؤ بمآلاتها، بحسب "فورين بوليسي".

أزمة متجذرة بين الداخل والخارج

لطالما شكلت العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وكوبا أحد أبرز الملفات العالقة منذ انتصار ثورة فيدل كاسترو عام 1959.

وعلى مدى عقود، حمّلت هافانا العقوبات الأميركية مسؤولية جانب كبير من أزماتها الاقتصادية، بينما اعتبرت واشنطن أن السياسات الاقتصادية والإدارية للنظام الكوبي هي السبب الرئيسي في تعثر التنمية وتراجع مستويات المعيشة.

ورغم أن البلدين شهدا فترة من الانفراج النسبي خلال إدارة باراك أوباما، والتي شهدت إعادة العلاقات الدبلوماسية وزيارة تاريخية للرئيس الأمريكي إلى هافانا، فإن هذا المسار توقف تدريجياً مع عودة سياسة الضغوط القصوى خلال السنوات اللاحقة.


حصار اقتصادي أكثر قسوة

يرى منتقدو السياسة الأميركية الحالية أن الإجراءات الجديدة تجاوزت نطاق العقوبات التقليدية، لتقترب من فرض عزلة اقتصادية شاملة على الجزيرة.

وتكتسب هذه الضغوط أهمية خاصة بالنظر إلى اعتماد كوبا الكبير على واردات الوقود لتشغيل محطات الكهرباء وتأمين احتياجات النقل والإنتاج، ما يجعل أي اضطراب في إمدادات الطاقة عاملاً مباشراً في تفاقم الأوضاع المعيشية.

وفي ظل الانقطاعات المتكررة للكهرباء وتراجع النشاط الاقتصادي، تتزايد المخاوف من اتساع دائرة الاحتجاجات الشعبية وارتفاع مستويات السخط الاجتماعي داخل البلاد.

لا ينفصل التصعيد الأميركي عن الاعتبارات السياسية الداخلية، خاصة في ولاية فلوريدا التي تضم واحدة من أكبر الجاليات الكوبية في الخارج.

ويعتقد كثير من المحللين أن تشديد الضغوط على هافانا يلقى دعماً واسعاً بين قطاعات من المنفيين الكوبيين الذين يعتبرون أن الوقت قد حان لإنهاء إرث نظام كاسترو بشكل نهائي.

كما يبرز دور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يُعد أحد أبرز السياسيين الأميركيين المؤيدين لسياسة أكثر صرامة تجاه كوبا، في صياغة التوجهات الحالية للإدارة الأميركية.


سيناريوهات ما بعد النظام

لكن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بإمكانية إضعاف النظام الكوبي، بل بما قد يحدث إذا نجحت هذه الضغوط في إحداث تغيير سياسي مفاجئ.

فالتجارب الدولية تشير إلى أن سقوط الأنظمة لا يعني بالضرورة انتقالاً سلساً نحو الاستقرار، خصوصاً في الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية عميقة ومؤسسات منهكة.

وفي الحالة الكوبية، يخشى مراقبون من أن يؤدي أي انهيار مفاجئ إلى موجات هجرة واسعة عبر مضيق فلوريدا، وإلى صراعات سياسية واقتصادية معقدة حول مستقبل البلاد وإعادة توزيع النفوذ والثروة.


المنفى الكوبي ومعركة المستقبل

تُعد الجالية الكوبية في الولايات المتحدة أحد أكثر العوامل تأثيراً في أي مرحلة انتقالية محتملة.

فالكثير من رجال الأعمال والسياسيين المنحدرين من أصول كوبية يرون أنفسهم شركاء طبيعيين في إعادة بناء الجزيرة، غير أن هذه الرؤية تواجه تساؤلات حول مدى قدرتها على التعامل مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي المعقد داخل كوبا.

ويشير منتقدون إلى أن جزءاً من الخطاب السائد داخل أوساط المنفى لا يزال يستند إلى صورة مثالية عن كوبا ما قبل الثورة، متجاهلاً التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي ساهمت أصلاً في نجاح الثورة الكوبية.

بعيداً عن السجال الأيديولوجي التقليدي، يرى كثير من المحللين أن الأزمة الكوبية الحالية لا يمكن اختزالها في مواجهة بين الاشتراكية والرأسمالية.

فكوبا عانت لعقود من اختلالات اقتصادية داخلية وسياسات حكومية فاشلة في بعض المجالات، لكنها واجهت أيضاً ضغوطاً خارجية مستمرة حدّت من قدرتها على الاندماج الكامل في الاقتصاد العالمي.

ومن ثم فإن أي قراءة لمستقبل الجزيرة تتطلب النظر إلى تداخل العاملين معاً، بدلاً من تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط.


جزيرة على حافة مرحلة جديدة

اليوم تبدو كوبا أمام مفترق طرق تاريخي. فالتدهور الاقتصادي المتواصل، وتراجع إمدادات الطاقة، وتصاعد الضغوط الأميركية، كلها عوامل تضع النظام أمام اختبار غير مسبوق.

وفي المقابل، لا تزال الأسئلة الكبرى بلا إجابات واضحة: هل تستطيع هافانا الصمود أمام هذه الضغوط؟ وهل تقود سياسة واشنطن إلى تغيير سياسي منظم أم إلى فوضى طويلة الأمد؟ وما هو الثمن الذي سيدفعه ملايين الكوبيين إذا تحولت المواجهة السياسية إلى أزمة إنسانية شاملة؟

ما يبدو مؤكداً أن الجزيرة الكاريبية تدخل مرحلة جديدة من الصراع مع الولايات المتحدة، مرحلة قد لا تحدد فقط مستقبل النظام الكوبي، بل أيضاً شكل التوازنات السياسية والأمنية في منطقة الكاريبي خلال السنوات المقبلة.


الأكثر قراءة

الرئــيس عــون ينـــتقد إيــران وقاســم بقــوّة الاحتلال يُواصل إجرامه... و26 عمليّة للمقاومة