قد تكون هناك فرصة للخروج من النظام الطائفي، وهي فرصة ليست متاحة بسهولة، وإنما مصحوبة باستعصاءات تحتاج إلى معالجة هادئة وعاقلة وغير مستفزة. وقد يكون مثل هذا الكلام في توقيت غير مناسب، مع ما نشهده من تصعيد عسكري إسرائيلي في الجنوب اللبناني، وتغيير في جغرافيته وتوازناته، ومن استهداف إلى بيئة أساسية فيه. إنما لا بد من رصد لسقوط مشاريع الطوائفية السياسية على اختلافها، خصوصا وأنها المرتكز الأساسي للنظام الطائفي في لبنان منذ قيامه مع دولة لبنان الكبير، وحروبه الأهلية التي كانت تهدف إلى تجديده باستمرار.
لقد أدت الحرب الأهلية في العام ١٩٧٥ وما استتبعته من تداعيات مع الوقت، إلى فرز طوائفي وديموغرافي كسر معادلة التداخل والتشابك في التنوع والتعدد، وإلى سطوة الجغرافيا الطوائفية، التي لا تحمل "حلولا"، وإنما تستنفر الغرائز وتستحضر بقوة الخارج الدولي والإقليمي إلى الداخل اللبناني.
المنحى الطوائفي اللبناني يدفع باتجاه الكانتونات وتسعير الانقسام اللبناني. لكن العائق أمامه هو الخارج الدولي والإقليمي، من دون "العامل الإسرائيلي" المحفز للانقسام. إنما السؤال ما هي أوراق الخارج الدولي، وتحديدا الخارج الأميركي لتعطيل قيام الكانتونات؟
1- الرهان الأميركي هو على المسار الأميركي- الإيراني الديبلوماسي في إيجاد مخرج سلمي، سيما وأن هناك تقاطعا أميركيا- إيرانيا على رفض فكرة الكانتونات.
2- تقاطع هذا الخيار الأميركي مع الخيار الأوروبي، الذي كان وراء التأسيس لدولة لبنان الكبير.
3- تلاقي الخيار الأميركي والخيار الإيراني على الدور المرتقب للنخب الفكرية في كل المكوّنات اللبنانية، حيث هناك توجه ضمني للطرفين نحو هذه النخب، وكل من حسابات مختلفة بالنسبة للمرحلة القادمة.
4- بداية الانفكاك بين مشاريع الطوائف السياسية والنخب الفكرية، بحكم تراجع وضعها الاقتصادي والمالي بانهيار العملة اللبنانية والوضع الاقتصادي، وكون الدولة لم تعد بقرة حلوبا تستعين بها السلطة السياسية الطوائفية، لربط جماعات بها.
5- الاشتباك السياسي والطوائفي بين المراجع السياسية والدينية على اختلافها، والذي يأخذه في الاعتبار الخيار الأميركي النهائي للبنان ، وتوظيفه في قيام دولة مدنية كبديل للنظام الطوائفي ودويلات الكانتونات المستترة.
هذه المعطيات المشتركة هي وراء مراجعة موضوعية للتاريخ اللبناني القريب والبعيد أميركيا، وتحديدا للتجارب النافرة المعترضة على النظام الطائفي، والتي لم تتبلور في مشروع حقيقي. ومع هذه التجارب الوقوف عند شخصيات معترضة بدورها، مثل الرئيس الجنرال فؤاد شهاب، الذي حاول تلطيف النظام الطائفي وتغييره باتجاه قيام دولة المواطنة ، والذي أفشل محاولته تحالف الإقطاع الديني والسياسي في كل الطوائف. علما بأنه نجح في بناء مؤسسات دولة أعطت هامشا ما لاختراق النخب الفكرية.
وفي المعلومات، أن واشنطن تتوقف عند ظاهرات لبنانية، في محاولات لتحديث الدولة وفتح قنوات الحوار والنقاش بين المفكرين والباحثين والمكونات والمناطق. ومن هذه الظاهرات "الندوة اللبنانية"، التي أسسها ميشال أسمر وساهمت في التعريف بالإمام موسى الصدر، ونشر وتعميم أفكاره. وكانت هناك مساهمات أساسية في هذه الندوة للباحث أنطوان موراني والشيخ موريس الجميّل والدكتور محمد المجذوب والدكتور حسن صعب والأب يواكيم مبارك والمطران غريغوار حداد والدكتور شارل رزق والمؤرخ والباحث فؤاد البستاني وغيرهم وغيرهم الكثير.
ومن الأسماء اللبنانية التي تتوقف عند تجربتها طويلا مراكز القرار الأميركية وسفارتها في بيروت هي: فؤاد بطرس وغسان تويني وميشال أبو جودة وأنسي الحاج ورفيق خوري والدكتور وضاح شرارة والدكتور أدونيس (علي محمد سعيد) وزوجته الدكتورة خالدة سعيد والعميد ريمون إدّه وميشال إدّه وسمير فرنجية والدكتورة بشرى الخليل والدكتورة إلهام كلّاب وهنري اده والأخ نور، إضافة إلى أسماء من "الحركة الوطنية اللبنانية".
ومن التجارب العابرة، التحوّل الذي حصل في بداية السبعينات، والذي أصاب "حركة الوعي الطلابية اليمينية المسيحية" باتجاه فكر علماني مواطني. ولا ننسى في هذا المجال الأدوار الايجابية للجامعات اللبنانية واليسوعية والاميركية، ما أعطى دورا رياديا للطلاب في دعم الحركات الاصلاحية على اختلافها، وإلى مؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي أنطون سعادة، في تغليبه للمنحى القومي على أي اعتبار طائفي، ونجاحه في استقطاب بلدات وعائلات كاملة في توجهه الفكري الجامع، ومن بعده إنعام رعد.
الاستلهام الأميركي يصل إلى أدوار منصات إعلامية وفكرية وشعرية وأشخاصها، مثل مجلة "شعر" التي أسسها الشاعر يوسف الخال، ومجلة "مواقف" ومجلة "دراسات عربية"، إضافة إلى الرحابنة منصور وعاصي والياس وزياد المجدّد والمختلف والرؤيوي. ومن الظاهرات اللافتة "الحراك الشعبي" في العام ٢٠١٩ ، الذي استقطب جماهير واسعة من كل الطوائف، ولكن لم يكن يمتلك رؤية سياسية، حيث اعتبر دعاته أنهم البديل السريع والمستعجل إلى السلطة، من دون إدراك أن الأمر يحتاج إلى التحضير المناسب والصبر، وإلى سلم أهلي وبناء الحاملة الاجتماعية غير الطوائفية.
وفي التجارب المناطقية للمواطنة، الوقوف عند ظاهرة اللقاء التشاوري للعشائر والعائلات، الذي وحّد كل المكوّنات بمطالب إنمائية. وكما الأخذ بكتابات المؤرخ فيليب حتّي، وبملاحظات الدستوري إدمون ربّاط ، ومقاربات الشيخ محمد مهدي شمس الدين الاصلاحية.
وفي الحسابات الأميركية كسب الأقليات من دروز وكاثوليك وروم أورثودوكس وأرمن وسريان وأكراد وعلويين، الذين يعانون من السقوف المتعددة للطوائفية والمواطنة الناقصة. كما لا يغيب عن هذه الحسابات الأميركية طمأنة البيئة الشيعية واحتضانها، في إطار الدولة المدنية وإعمار الجنوب، وإغلاق الفصل بينها وبين السلطة السياسية. والمرتكز الأميركي إلى ذلك هو في ما كان يدعو إليه المنظّر الأميركي هنري كيسينجر حول ما يسميه "جيراننا الشيعة"، في الأخذ بالاعتبار لمكان الجنوب من لبنان في أزمة الشرق الأوسط.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:51
غارة إسرائيلية على منطقة الريحان بقضاء جزين
-
23:48
غارة إسرائيلية على منطقة القطراني بقضاء جزين
-
23:09
إرنا عن وزير داخلية باكستان: الرسالة التي أحملها للمرشد الإيراني مهمة وآمل أن تسير الأمور جيدا وتصل لنهايتها
-
23:09
إرنا عن وزير داخلية باكستان: سأسلم رسالة من قائد الجيش ورئيس الوزراء الباكستانيين إلى المرشد الإيراني
-
22:42
الجبهة الداخلية الإسرائيلية: صفارات إنذار في مرغليوت بالجليل خشية تسلل مسيرة
-
22:37
الحكمة يفوز على هومنتمن بنتيجة 118-98 ويتقدم ١-٠ في Playoffs "ديكاتلون" بطولة لبنان لكرة السلة
