بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ومعه الثنائية الدولية التي كانت تتمثّل بمعسكرين: معسكر النظام الرأسمالي ومعسكر النظام الشيوعي وما بينهما من "دول عدم الانحياز" ودول تنادي بـ"الاشتراكية" وبنيتها الفعليّة رأسمالية متأرجحة. بعد سقوط هذه الثنائيّة وتربّع الولايات المتحدة الاميركية كدولة آحاديّة على عرش الكون تبدأ ملامح رسم صورة جديدة للنظام العالمي وفقاً لقواعد مختلفة عن تلك التي حكمت نظام الثنائيّة الدوليّة الاميركية-السوفياتية والتي تحكّمت بتعايشها معادلة النفي ونفي النفي اي وحدة المضادات وفقاً للديالكتيك الهيغلي (نسبة الى هيغل).
الجديد حالياً على مستوى الكون أن كل الانظمة في العالم هي "انظمة رأسمالية" بما فيها الصين التي يقودها حزب شيوعي وبما فيها الانظمة الاسلامية على اختلافها. وأما التباينات في طبيعة هذه الانظمة هي في "وحشية" الطبيعة الرأسمالية او في مراعاتها الجزئية للحقوق الاساسية لمواطنيها في مجانية التعليم والطباعة وحرية الرأي والتعبير وما تفرضه الليبراليّة ومعها الليبراليّة الجديدة. فما يحكم النظام الدولي الحالي هو صراعات الانظمة الرأسمالية على الاسواق والبورصات المالية والممرات المائية وتوسيع دائرة النفوذ السياسي والاقتصادي واستتباع الدول الضعيفة واستثمار ثرواتها واعاقة نموّها. هنا الصراع على المصالح وليس على الايديولوجيا سواء في الدائرة العالمية بين الولايات المتحدة الاميركية والصين او في الدوائر الاقليمية. كما يتبين بين اوروبا الغربية وروسيا في موضوع اوكرانيا. وبين اسرائيل وكل جيرانها في الشرق الاوسط. وبين الطموح الامبراطوري التركي ومشروع التوسع الجغرافي الاسرائيلي في سوريا. وبين طموح الاكراد الى بناء دولتهم وتعارض ذلك مع المصالح التركية والسورية والعراقية والايرانية وتوظيف الغرب عموماً لهذه الظاهرة في تعميق الانقسامات الداخلية.
الكل حالياً يراقب نتائج التحولات العميقة التي نجمت عن الحرب الاميركية-الاسرائيلية على ايران. وعلى رأس هذه التحوّلات صمود ايران وإفشالها للاهداف المشتركة لواشنطن وتل ابيب في اسقاط النظام الايراني او اضعافه واستسلامه. فهذه الحرب انتجت تماسكاً اجتماعياً ايرانياً وتكاملاً بين النزعتين الدينية والقومية وحوّلت ايران الى قوة عالمية تفتح الباب على توازنات جديدة وقوى فاعلة جديدة وطموحات لموسكو وبكين في الشراكة في بناء النظام الدولي الجديد وتحييد واشنطن في دائرة غرب آسيا وبحر الصين وفي النزاع المتوقع بين روسيا واوروبا الغربية التي تتجه نحو "العسكرة" وتكوين جيوش قوية مزوّدة باسلحة نووية وانظمة دفاع جوي وطائرات عسكرية حديثة ومسيّرات لمسافات طويلة.
لا شك ان دولة اسرائيل مضطرة الى مراجعة حساباتها في ظل تحولات ما بعد الحرب. فالسياسة الاميركية في الشرق الاوسط حالياً هي تكريس الاستقرار فيه والبناء "لسلام طويل". ومعنى مثل هذا التوجّه الاميركي هو استجابة اسرائيل للرؤية الاميركية الجديدة حول مكانة الدولة العبرية من دون آمال توسّعيّة في لبنان وسوريا والضفة الغربية وغزة. فواشنطن تغلّب مسار التهدئة وهو مسار لا يجد نفسه فيه لا نتنياهو ولا اليمين الديني اليهودي شريكه في الحكومة. ولا يمكنهما مواجهته لاعتبارات متعددة. فالتجربة تثبت ان الرئيس دونالد ترامب هو شخص مفاجئ وعنيد ويأخذ قراراته بنفسه وبمراعاة لمصالح الدولة العميقة كما يراها هو. وهو يفترض في الاساس ان على نتنياهو ان يطيعه في ما يذهب اليه من تقدير للامور.
تحولات ما بعد الحرب تستتبع صعود النزعة القومية في كل مكان في العالم. انما ببطء ملحوظ في الوطن العربي ما يعني انه يبقى عرضة لخروقات الخارج الدولي والاقليمي ما يفترض التأسيس لحاملة عربية متعددة الجنسيات العربية وقد يتقاطع ذلك مع دور لدولة عربية تطمح الى ما هو ابعد من حدودها الجغرافية. فمن تكون تلك الدولة؟
ختاماً وفي عودة للاساس والتوازنات والبدايات . المفارقة ان ميخائيل سوسلوف المنظّر الاساسي للعقيدة الماركسيّة في نظام الاتحاد السوفياتي كان قد نصح بانقاذ العالم من مخاطر الصراع الايديولوجي وسباق التسلّح النووي "وحتى حل المعسكر الاشتراكي" وهذا ما كشفه الباحث الدكتور رامي الشاعر المستشار السياسي لوزارة الخارجية الروسية. لكن هل كان المنظّر الروسي سوسلوف يتوقع ما تؤول اليه الصراعات والتناقضات والسباق الى التسلّح داخل النظام الرأسمالي نفسه خلافاً لتوقعات منظّرين اميركيين وغربيين من حتمية "نهاية التاريخ والصراعات". وكانوا على خطأ ملحوظ ووقعوا في مغالطات فادحة بما يملي ذلك من ضرورات مراجعات اميركية.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:55
فانس: مسؤولون أميركيون يراجعون مدى امتثال تركيا للقوانين الأميركية بشأن منظومة الدفاع الصاروخي الروسية "إس-400"
-
23:48
ترامب: قواعد اللعبة ستتغير إذا فرضت إيران رسوما بمضيق هرمز
-
23:48
ترامب: نحقق تقدما ممتازا وأداء رائعا في مسار مفاوضاتنا الحالية مع إيران
-
23:45
ترامب: تصويت الكونغرس على إنهاء الحرب مع إيران ولو بشكل غير ملزم لن يؤثر على مفاوضاتنا
-
23:43
ترامب: لا يوجد أي دليل يقودني لتصديق أن الهجوم على المدرسة الإيرانية ناتج عن صاروخ أميركي
-
23:42
حزب الله: نراقب الانتهاكات الإسرائيلية ونرصدها
