اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بينما انشغلت الأوساط السياسية والإعلامية في بيروت ، بمتابعة نتائج الجولة الخامسة من المفاوضات بين لبنان و"إسرائيل" على مدى الثلاثة أيام الماضية في واشنطن، برزت في الكواليس أسئلة تتجاوز ملفات وقف إطلاق النار والنقاط الحدودية العالقة، لتطال شكل النظام الأمني الذي سيحكم جنوب لبنان خلال السنوات المقبلة.

ففي الظاهر، تدور النقاشات حول آلية مراقبة عسكرية جديدة، مرتبطة بالقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، ودور الجيش اللبناني ومستقبل قوات «اليونيفيل» ولجنة «الميكانيزم». أمّا في العمق، فتشير مصادر سياسية وديبلوماسية مطلعة إلى أنّ واشنطن تعمل على مشروع أوسع، يهدف إلى ربط جنوب لبنان بالمنظومة الأمنية الإقليمية، التي تديرها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وتوضح المصادر أنّ CENTCOM أطلقت ما يُعرف بـ«Monitoring Mechanism» لمتابعة القتال والتحرّكات العسكرية في لبنان بصورة آنية (Real Time)، بعد اتصالات أجراها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وتقوم الآلية المقترحة على غرفة متابعة ومراقبة عسكرية أميركية، تعتمد على القدرات الاستخبارية والاستطلاعية للقيادة المركزية، بهدف مراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار، ومتابعة التطوّرات الميدانية في جنوب لبنان. كما ترتبط بخطة تطبيق مشروع «المناطق التجريبية" (Pilot Zones) التي ستبدأ في ثلاث مناطق أولاً، تمهيداً لتقييم النتائج قبل توسيع التجربة إلى كامل الجنوب.

وعلى خلاف لجنة «الميكانيزم» الحالية التي تضمّ الولايات المتحدة وفرنسا ولبنان و"إسرائيل" و«اليونيفيل»، يمنح النموذج الجديد واشنطن دوراً مركزياً، من خلال استخدام الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، ووسائل الاستطلاع الإلكتروني وغرف التحليل العملياتي. والأهم أنّه ينقل مركز الثقل من المراقبة الأممية التقليدية، إلى إدارة أمنية تقودها الولايات المتحدة بصورة مباشرة.

وترى المصادر نفسها أنّ الهدف يتجاوز تحسين مراقبة الحدود الجنوبية، إذ تتجه واشنطن إلى التعامل مع جنوب لبنان كجزء من شبكة الأمن الإقليمي التي تديرها CENTCOM، وليس كملف مستقلّ تحكمه فقط معادلات القرار 1701 و«اليونيفيل». ووفق هذا التصوّر، يصبح أي تطور أمني على الحدود اللبنانية الجنوبية، جزءاً من مسرح عمليات أوسع يمتدّ من شرق المتوسط إلى سوريا والعراق والبحر الأحمر والخليج العربي.

كما أنّ دخول البنتاغون على خط الملف يحمل دلالة خاصة، إذ إن القيادة المركزية الأميركية لا تدير عمليات حفظ سلام، بل تشرف على الشبكات العسكرية والأمنية الإقليمية. لذلك تعتبر المصادر أن انخراطها المباشر، قد يشير إلى سعي واشنطن لإدخال الجنوب اللبناني ضمن منظومة مراقبة وإنذار وتحليل أمني إقليمية واسعة.

وفي ما يتعلق بمستقبل «اليونيفيل»، تؤكد المصادر عدم وجود مؤشرات إلى نيّة واشنطن نشر قوات أميركية قتالية لتحلّ محلها. إلا أنّ النقاشات داخل الأمم المتحدة والعواصم الغربية، تتناول إمكان تعديل دور القوة الدولية أو تقليص حجمها وإعادة تعريف مهامها. وبحسب هذه القراءة، لا تسعى واشنطن إلى استبدال «اليونيفيل» بقوّات أميركية، بل إلى استبدال نموذج عملها نفسه.

وفي حال نجاح المشروع، قد تتراجع أهمية «اليونيفيل» تدريجياً ، حتى لو استمرت قانونياً على الأرض، إذ تنتقل الرقابة الفعلية إلى منظومة تعتمد على التكنولوجيا والمعلومات الاستخبارية والقدرات الأميركية المباشرة، فيما يتحوّل الوجود الأممي إلى عنصر مساعد ضمن هيكلية أمنية أوسع. أما لجنة «الميكانيزم»، فمن المرجح أن تتحوّل، وفق المصادر، إلى إطار سياسي وديبلوماسي للتنسيق وإدارة الخلافات، بينما تنتقل الوظائف التنفيذية والرقابية إلى الآلية المرتبطة بسنتكوم.

وفي المقابل، لا يقوم المشروع الأميركي على نشر قوات أميركية في الجنوب، بل على تعزيز دور الجيش اللبناني، باعتباره القوة الميدانية الرئيسية جنوب الليطاني، وعلى إقامة ترتيبات أمنية جديدة.

ولهذا تُركّز واشنطن والدول الأوروبية على برامج التدريب والتجهيز والدعم اللوجستي، فضلاً عن إنشاء مناطق انتقالية، تُنقل فيها مسؤوليات أمنية متزايدة إلى الجيش اللبناني تحت إشراف دولي.

وتشير المصادر إلى أنّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" تبدوان الأكثر حماسة للمشروع. فواشنطن تعتبره أكثر فعالية من النموذج الأممي التقليدي، بينما ترى فيه "إسرائيل" نظاماً يُوفّر رقابة متواصلة ومعلومات دقيقة وسريعة، فضلاً عن ضمانات أميركية أمنية للمستوطنات الشمالية.

أمّا الدولة اللبنانية فتتعامل معه بحذر إيجابي، طالما أنه يعزّز دور الجيش اللبناني ويساهم في انسحاب القوات "الإسرائيلية" من الأراضي التي لا تزال تحتلّها، والتي أكّدت واشنطن أنّها بدأت بالإنسحاب الجزئي منها، في حين نفى الجيش اللبناني، كما "الإسرائيلي" حصول مثل هذا الأمر.

في المقابل، ينظر حزب الله وإيران إلى المشروع، باعتباره محاولة لنقل مركز القرار الأمني في الجنوب من الإطار الأممي إلى الإطار الأميركي، بما يضع الجنوب اللبناني ضمن شبكة النفوذ الأمني التي تديرها واشنطن في المنطقة.

كما تبدي فرنسا تحفظاً على تضخّم دور CENTCOM ، خشية تراجع دورها التقليدي داخل «اليونيفيل» و«الميكانيزم» وفي الملف اللبناني عموماً. وخلال السنوات الماضية كان السؤال المطروح يتمحور حول قدرة «اليونيفيل» على تطبيق القرار 1701، أمّا اليوم فإنّ السؤال بات مختلفاً: هل تعمل واشنطن على استبدال نموذج «اليونيفيل» نفسه؟ فالقضية لم تعد مرتبطة بإمكانية انتشار قوات أميركية في الجنوب، بل بمن سيمتلك صورة الوضع الأمني الكاملة، ومن سيصبح المرجعية الفعلية في مراقبة الحدود وإدارة الأزمات ومنع التصعيد؟

وإذا صحّت المؤشرات الحالية، فإنّ المفاوضات الجارية في واشنطن، قد لا ترسم فقط مستقبل وقف إطلاق النار، بل بداية انتقال جنوب لبنان من المظلّة الأممية التي حكمته منذ عام 1978 إلى منظومة أمنية إقليمية جديدة ، تقودها الولايات المتحدة عبر القيادة المركزية الأميركية. 

الأكثر قراءة

تعقيدات خطيرة تحاصر نتائج مفاوضات واشنطن؟ رسوم جديدة ترفع اسعار السلع المستوردة!