اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لا يختلف اثنان على ان الساحة اللبنانية أمام مرحلة إعادة تموضع دقيقة، تتداخل فيها المسارات الأمنية مع الحسابات السياسية الداخلية والخارجية، وسط تباين واضح في المقاربات حول مستقبل لبنان، في ظل الجدل القائم بشأن طبيعة الضمانات الكفيلة بمنع انفلات الوضع في الجنوب، مع استمرار خرق وقف النار، وتعمد اسرائيل تاخير بدء تنفيذ المرحلة الاولى من المناطق التجريبية، «بقبة باط» اميركية واضحة.

ومع غياب أي صورة واضحة للمشهد حتى الآن، تبدو المعادلة مفتوحة على إدارة طويلة للمرحلة، عنوانها الأساسي ضبط التوازن بين الميدانين الامني والسياسي، في وقت يبقى فيه لبنان ساحة اختبار دقيقة لأي تغيير في قواعد اللعبة الاقليمية، ارتباطا باعلان النيات السويسري.

مرحلة انتقالية

مصادر سياسية متابعة رأت ان البلاد تعيش حاليا مرحلة انتقالية، حيث تراقب معظم القوى السياسية، التطورات الإقليمية والدولية، وما ستؤول إليه المفاوضات والتفاهمات التي تتجاوز الحدود اللبنانية، لتبني على نتائجه تموضعها الجديد، حيث لا مجال للخطأ او التردد، رغم أن تأثير اتفاق الإطار لم يقتصر على الجانب الأمني، اذ أطلق دينامية سياسية جديدة وسريعة لها انعكاساتها على شكل السلطة وتوازناتها، وآلية اتخاذ القرار، ومستقبل العلاقة بين الدولة والقوى السياسية، وربما على طبيعة الحياة السياسية اللبنانية خلال السنوات المقبلة.

واعتبرت المصادر ان اختزال المشهد بمعركة بين محورين فقط، قد لا يكون دقيقًا وحقيقيا، خصوصا أن الرهان على ولادة تحالفات جديدة قد يكون مبكراً، رغم الصورة الظاهرية لبعض المواقف، من هنا أو هناك، التي تحاول امساك العصا من الوسط، متجنبة أي تموضع نهائي، لعلمها أن المنطقة تعيش مرحلة إعادة رسم للتوازنات، وأن التسوية النهائية لم تنضج بعد.

زوبعة في فنجان

في غضون ذلك، استمر امس اطلاق النار على اتفاق الاطار وملحقه الامني من اكثر من جهة، وسط تصويب على دور الجيش والوفد العسكري، حيث اكدت اوساط متابعة، ان ثمة من يحمل الملحق الامني اكثر مما يحمل، محاولا النفاذ عبره للتسويق للخلاف بين اليرزة وبعبدا وهو ما تنفيه الوقائع، اولا، مع متابعة قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، للمفاوضات من غرفة عمليات القصر الجمهوري، وثانيا، ان اقرار الاتفاق الامني جاء من الوفد العسكري اللبناني بالتنسيق الدقيق مع اليرزة، التي اطلعت على تفاصيله وناقشتها مع الفريق المفاوض، كاشفة ان الملحق الامني للاتفاق الثلاثي، يندرج ضمن الإجراءات التنفيذية التي ترافق عادةً مثل هذه الاتفاقات، فالملحق «ليس وثيقة منفصلة عن مسار الاتفاق، بل يتضمن ترتيبات أمنية وتقنية مرتبطة بالمرحلة الأولى من التنفيذ، لا سيما آلية تطبيق المناطق النموذجية».

ورأت الاوساط أن الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة يبقى على نجاح تجربة المناطق النموذجية، التي يُتوقع أن يبدأ تنفيذها خلال أيام، رغم التأخير الاسرائيلي المتعمد، لما يمكن أن تتركه من انعكاسات إيجابية على حياة المواطنين وتعزيز الثقة بالمسار القائم، مشيرة إلى أنه في حال أثبتت هذه التجربة نجاحها، فقد تتوسع تدريجيًا لتشمل عددًا أكبر من البلدات، وربما تمتد لاحقًا إلى أقضية كاملة ضمن المراحل اللاحقة من التنفيذ.

عون ينوه ببري

في المواقف، وامام وفود من نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس والهيئات الاقتصادية، شدد رئيس الجمهورية على ان صيغة الاطار الموقعة في واشنطن، «تضمنت بنوداً تتعلق بالانسحاب الاسرائيلي وعودة النازحين والأسرى وحتى جثامين اللبنانيين الموجودة في إسرائيل»، لافتا الى انها «ليست اتفاقا بل اطار»، مشيرا الى ان لبنان «لم يتنازل عن ثوابته قضائياً وسياسياً وميدانياً في صيغة الاطار كما يروّج البعض»، منوّهاً بالدور الذي يؤديه رئيس مجلس النواب نبيه بري «الذي وضع خطين احمرين أساسيين باعتبار «ان الفتنة والمساس بالجيش ممنوعان. ونحن جميعنا متفقون على هذين الامرين»، مجدداً التأكيد على ان حق الاختلاف مقدس، «فلنتناقش في السياسة  ولكن  الخلاف ممنوع»، نافيا كل ما يشاع عن وجود نية لاقالة قائد الجيش او قادة الأجهزة الأمنية، مشيداً بدورهم والجهود التي يقومون بها. 

دعم دولي

وسط هذه الاجواء، الدعم الدولي واللبناني لخطوات الدولة اللبنانية، مستمر، حيث أشار رئيس الوزراء اليوناني، إلى تكليف وزير دفاعه التنسيق مع نظيره اللبناني على صعيد دعم الجيش اللبناني، فيما أكدت سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان، أن «الاتحاد هو أكبر شريك وداعم للبنان، مشيرة الى تخصيص «220 مليون يورو خُصصت منذ عام 2023 لدعم القطاع الأمني، بينها 182 مليون يورو للجيش اللبناني، مع تأكيد استمرار توسيع برامج الدعم خلال المرحلة المقبلة».

«الاحتلال» باقٍ

وامس اكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّ إسرائيل ستبذل كل ما في وسعها للتوصل الى اتفاق سلام مع لبنان. وأضاف «سنبقى في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان كلما اقتضت الحاجة». ولفت الى ان إيران حاولت أن تفرض علينا انسحابا من جنوب لبنان وهذا لن يحصل. وتابع:  الاتفاق مع لبنان يقر بحق إسرائيل في التمسك بالمنطقة العازلة في لبنان حتى نزيل تهديدات «حزب الله». وقال ان «حزب الله قرر مهاجمتنا متجاهلا الأثمان الباهظة التي سيتكبدها لبنان».

أمّا وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، فقال خلال مراسم تأبينية للجنود الذين قتلوا في الحرب مع لبنان في العام 2006: «نحارب في لبنان لتغيير الواقع وليس لإعادة الوضع إلى ما كان عليه، ولن ننسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة». أضاف «سنهاجم إيران للمرة الثالثة إذا اقتضت الحاجة».

تكتيك جديد

الى ذلك، ومع استمرار جيش الاحتلال في عمليات التفجير، رغم الوعود التي قطعها للجانب الاميركي، بالتخفيف من وتيرتها، ومع تراجع حدة العمليات العسكرية، بشكل ملحوظ، أنشأت القوات الاسرائيلية بوابات عبور بين النسق الأول والثاني والمنطقة الصفراء والمنطقة الحدودية ومنطقة جنوب الليطاني، فيما برز خلال الايام الاخيرة، وفقا لمصادر ميدانية مراقبة، اعتماد الاحتلال تكتيكات جديدة، تقوم على الاستخدام المكثف للقنابل الصوتية التي ترميها المسيرات، باتجاه الاهالي، ما يثير حالات من الخوف والذعر وتمنعهم من العودة الى منازلهم واراضيهم.

الشيباني في بيروت

وفي خطوة تعكس اصرارا سوريا على تأدية دور سياسي على الساحة اللبنانية، يصل الى بيروت اليوم، وزير الخارجية السوري اسعد الشيباني، حاملا معه مبادرة سياسية تقوم على مساعدة الدولة اللبنانية للوصول الى حصر السلاح، عبر مسار سياسي توافقي، يجنب لبنان اي مواجهة داخلية او انقسام امني، انطلاقا من قناعة دمشق بان معالجة هذا الملف يجب ان تتم بالحوار والتفاهم الوطني، على ما كشفت مصادر دبلوماسية سورية، مضيفة، ان اجتماع الشيباني مع الرئيس بري، والذي عملت على ترتيبه دولة خليجية، يكتسب اهمية خاصة في هذا الاطار، اذ سيركز على سبل تخفيف الاحتقان الداخلي وبحث امكانية مساهمة سوريا مع شركاء عرب واقليميين في احتواء اي تطورات قد ترافق المرحلة المقبلة.

هذا وعلم ان الشيباني والى جانب لقاءاته الرسمية، ستكون له جولة على عدد من المرجعيات الروحية الاسلامية والمسيحية، إلى جانب شخصيات سياسية، حيث يتوقع ان يزور كليمنصو، معراب والصيفي، كما سيلتقي النائب السابق بهية الحريري، على ان تكون له محطة شعبية في طرابلس، تحمل دلالات سياسية، نظرا لما تمثله المدينة من حيثية مؤيدة للرئيس الشرع.

زيارة عراقجي

وعلى خط زيارة وزير الخارجية الايراني، عباس عراقجي الى بيروت، كشفت مصادر مطلعة أن الجهات الرسمية اللبنانية لم تتبلغ اساسا بأي موعد رسمي لها، وبالتالي فان كل الكلام على إلغاء الزيارة غير دقيق، ولا يستند إلى معطيات صحيحة، ملمحة الى ان نقاشا حصل حول فكرة الزيارة وشكلها المحتمل وكيفية تنظيم اللقاءات الرسمية من دون تجاوز الأصول المعتمدة، أو إظهار وكأن هناك قطيعة بين إيران والدولة اللبنانية، مبدية اعتقادها بان جدول انشغالاته، ولقاءاته الخارجية، فضلا عن وجوده في ايران لمواكبة مراسم تشييع السيد علي الخامنئي، قد تكون أخّرت زيارته الى بيروت. علما ان معلومات كانت تحدثت عن ان الزيارة ستشهد حلا رسميا لمسألة السفير الايراني في بيروت.


الأكثر قراءة

بـري للـ«الديار»: أنا مستعد للتسـوية... إذا كـان الطـرف الآخـر مـستعداً