تَزامن الذكرى السنوية للإستقلال الأميركي وتشييع المرجع الروحي للجمهورية الإسلامية علي الخامنئي كانا عنوانين لهدنة عسكرية وسياسية وديبلوماسية كما لاستعراض القوة من الجانبين الأميركي والايراني على السواء والإيحاء بأن النصر كان السمة المشتركة في الحرب بينهما. أي تكريس صيغة رابح + رابح ما يؤدي إلى مخرج معقول وإلى استبعاد أي حل عسكري لا يرغب فيه الطرفان.
طهران من خلال مراسم التشييع بعثت برسالة بأن حضور كل مكوّنات السلطة الايرانية يجتمعون تحت سقف واحد وقرار واحد وبالتالي لا يمكن الرهان من أحد على انقسامات في السلطة وعلى مستوى القرار. هذا أولا. وثانيا كثافة المشاركة الشعبية والمناطقية والأطراف البعيدة هي أيضا رسالة للخارج تقول بأنه لا يمكن الرهان على تفكيك الداخل الايراني. وثالثا التكامل والتواصل بين المجتمع السياسي (السلطة السياسية) والمجتمع الأهلي هو مصدر القوة لايران في الحرب والمفاوضات على السواء. ورابعا اعتبار مراسم التشييع مؤشرا على مرحلة جديدة في مسار الدولة الايرانية.
وإلى الآن لا إشارات ايرانية من دوائر القرار عن المقصود بالمرحلة الجديدة. إنما المعطيات هي في توظيف المفاوضات لاستثمار الصمود والقدرات في النفوذ وفي المقايضات وفي الاقليم وفي مضيق هرمز وفي تحرير الودائع الايرانية ولو بشراكات مالية واقتصادية مع الولايات المتحدة الأميركية. أما الرسالة الأميركية في "ذكرى الإستقلال" فهي القدرة العسكرية الأميركية غير المحدودة. وهي الإحتياطي الأميركي البديل للخيار الديبلوماسي. حيث تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب: "بالإمكان القضاء على الجميع. لكن لن يبقى أحد للتفاوض معه". وواقع الأمر هو التهديد باللجوء إلى "السلاح النووي". وهو "تهديد" يكشف في العمق أن لا بديل حقيقيا لديه لخيار التفاوض والديبلوماسية. وهو الخيار الذي يحتاج فيه إلى الطرف الآخر وهو المفاوض الايراني.
وأما التأكيد من الجانب الايراني على الإلتزام بثوابت الإمام السيد علي خامنئي فهو في حد ذاته توضيحا نهائيا للرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن ايران لا تسعى نهائيا لامتلاك قنبلة نووية حرّمها المرجع الراحل. أي أن المفاوض الايراني يملك تفويضا كاملا بأن يطرح على طاولة المفاوضات معادلة صفر قنبلة نووية ويريد أن يقايض بذلك "حضورا ايرانيا" في مضيق هرمز وكسب ثقة واشنطن بأن لا خداع أميركيا تبطنه واشنطن كما جرى في المرات السابقة.
"صفر قنبلة نووية". أمر كان قد أشار إليه الرئيس الايراني مسعود بزشكيان كما أكّده وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي في كتابه "قوة التفاوض". إنما "القنبلة النووية" الحقيقية التي لا يتخلى عنها إلا جزئيا المفاوض الايراني مع مقايضات جدية هي "مضيق هرمز". من هنا الوصل الايراني بين مضيق هرمز والجنوب اللبناني. وهو وصل يشكّل اعتراضا على فصل المسار الايراني عن المسار اللبناني ومطالبة واشنطن الشريكة في المسارين بالضغط على رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو للإلتزام بوقف النار والإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.
وأحد أوراق قوة طهران أنها تعرف من خلال مسار التفاوض الأميركي-الايراني أبعاد ما يريده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في رؤيته للإستقرار والسلام في المنطقة، وأيضا من خلال "مراجعة" دورات التفاوض السابقة حتى تلك التي جرت خلال حقبة الرئيس باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري. إنما عجز الرؤساء الأميركيين السابقين عن إرساء استقرار وسلام في المنطقة بسبب رفض الدولة العبرية لتطبيق القرارين 242 و338 وإقامة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشرقية، هذا العجز يشكّل طموحا للرئيس دونالد ترامب بأن يحقق ما عجز عنه أسلافه لا تعترض عليه طهران مبدئيا وخصوصا وأنها صاحبة خيار الحل في دولة واحدة تجمع الفلسطينيين واليهود على السواء. وبهذا المعنى غياب الإعتراض الايراني على مبادرة العاهل السعودي الملك عبد الله للسلام هو أمر مستجد إذا وجدت طريقها إلى التحقق. لكن ذلك يقتضي موقفا عربيا واحدا وإصرارا من الأنظمة العربية في علاقتها مع واشنطن.
فرصة تحقق ذلك ممكنة رغم الإستعصاءات الكثيرة. ومنها التغيير الجغرافي والديموغرافي الذي تجريه اسرائيل في الداخل الفلسطيني. ومنها التعارضات الأميركية-الاسرائيلية حول مقاربة العالم الإبراهيمي. ومنها أحلاف المنطقة الجديدة. وأخيرا مدى قدرة الرئيس ترامب على ترجمة رؤيته للإستقرار والسلام إلى واقع.
يتم قراءة الآن
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
00:04
مونديال 2026: اسبانيا الى الدور ربع النهائي بفوزها على البرتغال (1-0).
-
23:58
برنامج مباريات المونديال ليوم الثلاثاء بتوقيت بيروت: الولايات المتحدة - بلجيكا (3.00 فجراً)، ومصر - الأرجنتين (19.00)، وسويسرا - كولومبيا (23.00).
-
23:22
حماس: نحذر من سعي الاحتلال لعرقلة تنفيذ الاتفاق وفرض فراغ إداري لتعميق المعاناة ومنع إعادة الحياة لقطاع غزة.
-
23:22
حماس: نطالب الوسطاء والدول الضامنة بالتحرك العاجل والضغط على الاحتلال لوقف محاولاته عرقلة تنفيذ الاتفاق.
-
23:22
حماس: نطالب بسرعة تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من دخول القطاع وبدء مهامها فورا لتفويت الفرصة على الاحتلال.
-
23:21
حماس: الخطوة المسؤولة بحل لجنة الطوارئ الحكومية تأتي ضمن استكمال ترتيبات نقل مهام الإدارة إلى اللجنة الوطنية.
