اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

حذر مراقبون من أن العلاقات بين واشنطن وبكين أصبحت أكثر هشاشة وتعقيداً من أي وقت مضى، مع تراجع فعالية المؤسسات والقنوات التي كانت تضطلع بإدارة الأزمات بين القوتين، بحسب ما أوردته "فورين بوليسي".

ويأتي ذلك برغم تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، خلال قمتهما في بكين في أيار، رغبتهما في استئناف العلاقات التجارية وإدارة ملف تايوان، والاتفاق على تعزيز ما وصفاه بـ"علاقة بنّاءة من الاستقرار الاستراتيجي".

ويشير التقييم إلى أن الثقة الاستراتيجية أو العلاقات الشخصية بين الزعيمين، لا تكفي لتحقيق الاستقرار، في ظل ما وصِف بتراجع المؤسسات وآليات الاتصال والبيروقراطيات التي كانت تسهم في احتواء الأزمات ومنع التصعيد.

في الولايات المتحدة، شهدت مؤسسات السياسة الخارجية والأمنية تغييرات واسعة؛ إذ خفضت إدارة الكفاءة الحكومية الإنفاق وسرّحت أعداداً كبيرة من الموظفين، في إطار حملة بررتها إدارة ترامب بمواجهة ما وصفته بالبيروقراطية والهدر الحكومي، كما أجرى إبعاد عشرات الجنرالات عن الترقيات أو خُفضت رتبهم، وغادر مئات الدبلوماسيين مناصبهم عبر الفصل أو التقاعد المبكر.

وفي الصين، استُخدمت حملات مكافحة الفساد لإبعاد مسؤولين اعتُبروا غير موالين للحزب الشيوعي أو للرئيس شي جين بينغ، وشملت عمليات الإقصاء عدداً كبيراً من القيادات العسكرية، كان 61% منهم يشغلون مناصب عملياتية رئيسية حتى شباط الماضي. كما شهدت وزارة الخارجية اضطرابات، بعد اختفاء وزير الخارجية السابق تشين جانغ في منتصف عام 2023، ثم احتجاز ليو جيانتشاو، الذي كان يُنظر إليه باعتباره من أبرز المرشحين لخلافته.

وامتدت التغييرات إلى مؤسسات صنع القرار. ففي واشنطن، تراجعت فاعلية مجلس الأمن القومي، الذي كان يتولى التنسيق بين المؤسسات الحكومية وتقديم المشورة اليومية للرئيس، في ظل انشغال وزير الخارجية ماركو روبيو بمهام أخرى، إلى جانب تغييرات في آليات عمل المجلس.

أمَّا في بكين، فقد تقلّصت اللجنة العسكرية المركزية، أعلى هيئة عسكرية في البلاد، إلى عضوين فقط بعد إبعاد 5 من كبار الجنرالات، لتضم الرئيس شي جين بينغ والجنرال تشانغ تشنغ مين، وهو ما يحد، وفق التقييم، من قدرة اللجنة على تقديم المشورة العسكرية المتخصصة.

ويؤثر هذا الواقع، بحسب التقرير، في إدارة العلاقات الأميركية-الصينية من خلال عاملين رئيسين؛ أولهما تراجع الوضوح بشأن المسؤولين المخوّلين بالتفاوض واتخاذ القرار في كلا البلدين. ففي واشنطن، ما يزال تحديد الجهة المسؤولة عن الملفات الأمنية أو الاقتصادية المتعلقة بالصين محل تساؤل، بينما تواجه الولايات المتحدة صعوبة مماثلة في تحديد المسؤولين الصينيين المخولين بالتفاوض، في ظل تغييرات القيادة والمؤسسات.

أمَّا العامل الثاني فهو تراجع القدرة على التنبؤ بالسياسات؛ إذ يؤدي تركيز السلطة في يد القيادات العليا، مع إضعاف المؤسسات، إلى جعل القرارات أكثر ارتباطاً بالتوجهات الشخصية للقادة، وأقل ارتباطاً بالآليات المؤسسية المعتادة.

ويبرز ملف تايوان بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية. فبينما وصف ترامب حزمة أسلحة أمريكية لتايوان، قيمتها 14 مليار دولار، بأنها "ورقة تفاوض جيدة"، وأشارت تقارير إلى مناقشات أجراها مع الرئيس شي في مايو، تواصل الإدارة الأمريكية في الوقت نفسه تقديم التدريب والتسليح للقوات التايوانية.

وفي المقابل، ترى بكين أن الولايات المتحدة لم تلتزم بتعهداتها السابقة بشأن تايوان، فيما تعتبر أن زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركية السابقة نانسي بيلوسي إلى الجزيرة عام 2022، مثّلت تحولاً في السياسة الأمريكية، الأمر الذي دفعها إلى تكثيف ضغوطها وتحركاتها العسكرية والسياسية تجاه تايوان.

ولم يعد يقتصر التحدي الرئيس في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، على الخلافات الجيوسياسية فحسب، بل أصبح مرتبطاً بضعف المؤسسات وآليات الاتصال وصنع القرار في البلدين.

وبالضرورة، لا يتطلب استقرار العلاقات الثقة أو حل جميع الخلافات، لكنه يحتاج إلى مؤسسات فعالة، وقنوات اتصال موثوقة، وأجهزة بيروقراطية قادرة على الحد من القرارات المتسرعة وغير المتوقعة؛ لأن غياب هذه العناصر قد يجعل القيادتين، رغم رغبتهما المعلنة في تجنب الحرب، سبباً في زيادة الفوضى الدبلوماسية.

الأكثر قراءة

تصعيد أميركي ــ إيراني طال الخليج وسوريا الثنائي دعم انتشار الجيش... و«إسرائيل» حصّنت مواقعها للشتاء