اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

رغم دخول الحرب الإيرانية شهرها الخامس واستمرار المخاوف بشأن إمدادات الطاقة، خالفت أسواق النفط معظم التوقعات المتشائمة التي رافقت بداية الصراع. فبعد تحذيرات من صعود الأسعار إلى 200 دولار للبرميل وحدوث صدمة اقتصادية عالمية، أظهرت السوق قدرة أكبر على امتصاص تداعيات الحرب، إذ لم تتجاوز الأسعار حاجز 130 دولاراً حتى في أشد مراحل التصعيد.

وأفادت وكالة "بلومبيرغ" في تحليل لها بأن العامل الحاسم وراء استقرار أسعار النفط لم يكن زيادة الإنتاج أو تراجع حدة الحرب، بل بروز ما وصفه خبراء بـ"السلاح النفطي الجديد" للصين، الذي أعاد رسم قواعد التوازن في سوق الطاقة العالمية.


الصين تتحول إلى "المستهلك المتأرجح"

يرى خافيير بلاس، كاتب شؤون الطاقة في "بلومبيرغ أوبينيون"، أن الحرب كشفت تحولاً استراتيجياً في دور بكين داخل سوق الطاقة، بعدما نجحت في لعب دور "المستهلك المتأرجح"، وهو الدور الذي ظل لعقود حكراً على السعودية باعتبارها "المنتج المتأرجح" القادر على زيادة أو خفض الإنتاج لتحقيق التوازن في الأسواق.

وبحسب بلاس، خفضت الصين وارداتها البحرية من النفط بصورة غير مسبوقة، من نحو 11 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الحرب إلى أقل من 6 ملايين برميل يومياً في يونيو، قبل أن ترتفع قليلاً إلى نحو 6.5 مليون برميل في يوليو، وهو أدنى مستوى لوارداتها النفطية خلال عقد كامل. وقد أدى هذا الانخفاض، الذي تراوح بين 40 و50%، إلى امتصاص جانب كبير من صدمة نقص الإمدادات العالمية، ومنع انفجار الأسعار.

لماذا لم يصل النفط إلى 200 دولار؟

يوضح التقرير أن عدة عوامل تضافرت لمنع حدوث أزمة طاقة عالمية، رغم استمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز.

فإلى جانب التراجع الحاد في الطلب الصيني، تمكنت السعودية والإمارات من تحويل جزء كبير من صادراتهما عبر خطوط الأنابيب إلى البحر الأحمر وخارج المضيق، بينما لجأت الدول الصناعية إلى السحب من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، كما شهدت دول الأمريكتين زيادة ملحوظة في الإنتاج النفطي؛ ما وفر كميات إضافية دعمت استقرار السوق العالمية.

ورغم وضوح تأثير بكين في تهدئة الأسواق، فإن الآلية التي استخدمتها ما زالت غير معروفة بالكامل.

فالصين لا تنشر بيانات رسمية عن مخزوناتها النفطية أو احتياطياتها الاستراتيجية؛ ما يجعل تفسير هذا التراجع الكبير في الواردات أمراً معقداً.

ويرجح بلاس أن تكون بكين اعتمدت على مزيج من السحب من مخزوناتها الاستراتيجية والتجارية، وتقليل استهلاك النفط عبر استخدام مخزونات المنتجات المكررة، إلى جانب الاعتماد بصورة أكبر على صناعاتها الكيميائية القائمة على الفحم بدلاً من النفط. كما أن تباطؤ الاقتصاد الصيني وانتشار المركبات الكهربائية ربما ساهما جزئياً في خفض الطلب، لكنهما لا يفسران وحدهما هذا الانخفاض الكبير.


تحول استراتيجي في سوق الطاقة

ويخلص التقرير إلى أن الحرب الإيرانية لم تكشف فقط هشاشة أسواق الطاقة، بل أبرزت أيضاً تحولاً جوهرياً في موازين القوة داخل سوق النفط العالمية.

فإذا كانت السعودية تمتلك القدرة على التأثير في الأسعار عبر زيادة أو خفض الإنتاج، فإن الصين أثبتت أنها قادرة على تحقيق التأثير نفسه من خلال التحكم في حجم الطلب، وهو تطور قد يمنح بكين نفوذاً غير مسبوق في إدارة أزمات الطاقة العالمية خلال السنوات المقبلة، ويؤسس لمرحلة جديدة تصبح فيها قرارات المستهلك الأكبر في العالم مؤثرة بقدر قرارات كبار المنتجين.


الأكثر قراءة

لبنان بالانتظار: ما بعد انتخابات الكنيست والكونغرس قاسم يعلن انفتاحه على المفاوضات مع دمشق... وصمت سوري يقابله