في وقت تصعّد فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجددًا حديثها عن وضع غرينلاند تحت السيطرة الأميركية، تكشف تحركات ميدانية لافتة أن السباق على الجزيرة لا يجري عبر التصريحات السياسية وحدها، بل يمتد إلى مشاريع استكشاف الموارد الطبيعية، ولا سيما النفط.
وفي أواخر تموز 2026، رصد سكان على الساحل الشرقي لغرينلاند قاطرة بحرية تجر بارجة محمّلة بنحو 15 حاوية وآليات ثقيلة، قبل أن ترسو في مطار نيرليريت إينات النائي.
وتقود العملية شركة "غرينلاند إنرجي" الأميركية، التي بدأت معدات مرتبطة بمشروعاتها تصل إلى منطقة جيمسون لاند، حيث توجد آخر رخص استكشاف نفطي لا تزال سارية في غرينلاند.
وبينما تؤكد سلطات غرينلاند أن نقل المعدات تم من دون الحصول على الموافقات المطلوبة، تثير هذه الخطوة تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين المصالح النفطية الأميركية والطموحات السياسية التي يطرحها ترامب بشأن الجزيرة.
"غرينلاند إنرجي"
تأسست شركة "غرينلاند إنرجي" في ولاية تكساس عام 2025، لكن تركيبة مجلس إدارتها وقائمة مساهميها تكشفان شبكة من العلاقات مع دوائر سياسية واقتصادية مؤيدة لترامب.
ورصدت صحف "لوفيغارو" و"الغارديان"، إلى جانب "راديو فرنسا"، علاقات لافتة داخل الشركة؛ إذ يرتبط لاري سويتس، رئيس الشركة وأحد كبار مساهميها، بدوائر اجتماعية قريبة من نادي مار-إيه-لاغو في فلوريدا، المنتجع الذي يملكه ترامب.
ويمتلك كينيث غريفين، الملياردير الجمهوري وأحد ممولي تنصيب ترامب، نحو 9% من أسهم الشركة، فيما تشغل كارول كريغ، عضو مجلس الإدارة، منصبًا قياديًا في شركة "سايدس سبيس"، المشاركة في مشروع "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي الذي يحظى بأولوية لدى الإدارة الأميركية.
أما الرئيس التنفيذي للشركة روبرت برايس، فقد زار المنطقة المستهدفة في آذار الماضي، وأبدى تفاؤلًا كبيرًا بشأن إمكاناتها النفطية، مشيرًا إلى أن الاكتشافات المحتملة قد تكون بحجم حقول النفط التي اكتُشفت خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.
13 مليار برميل نفط
تقع المنطقة التي وصلت إليها المعدات في شبه جزيرة جيمسون لاند شرقي غرينلاند، وهي من المناطق التي تعتبرها الشركة واعدة من الناحية النفطية.
وتضم المنطقة آخر ثلاث رخص لاستكشاف النفط لا تزال سارية، بعدما أوقفت حكومة نُوك منح تراخيص جديدة عام 2021 لأسباب بيئية.
وتغطي الرخص الثلاث مساحة تبلغ نحو 8429 كيلومترًا مربعًا، وتظل صالحة حتى عام 2028. وكانت في الأصل مملوكة لشركة "وايت فليم إنرجي" البريطانية، قبل انتقال ملكيتها تدريجيًا إلى شركة "80 مايل" البريطانية، التي دخلت في شراكة مع "غرينلاند إنرجي".
وفي آذار 2026، أُدرجت المجموعة في بورصة ناسداك تحت الرمز GLND، فيما تقدر الشركة أن المنطقة قد تحتوي على نحو 13 مليار برميل من النفط، بقيمة تقارب تريليون دولار وفق تقديراتها.
وكانت الشركة تخطط لحفر بئرين بعمق يصل إلى 3500 متر، بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 60 مليون دولار، قبل أن تخفض طموحاتها الأولية وتقرر الاكتفاء بحفر بئر واحدة في المرحلة الأولى، وفق رسالة وجهتها إلى مساهميها في السادس من آب.
احتجاج من نُوك ورسالة من ترامب
جاء رد حكومة غرينلاند سريعًا؛ ففي 30 تموز، أصدر وزير الصناعة والموارد المعدنية بيانًا قال فيه إن شركة «وايت فليم إنرجي» نقلت معداتها من دون الحصول على الموافقات المطلوبة، معلنًا توجيه إنذار رسمي إليها، ومشددًا على ضرورة الحصول على موافقة مسبقة قبل تنفيذ أي عمليات لوجستية جديدة.
وفي الوقت نفسه، لم تطالب السلطات بإعادة المعدات فورًا، ووصفت مثل هذه الخطوة بأنها غير مناسبة في ظل الوضع القائم.
وبعد ساعات من صدور البيان، نشر ترامب عبر منصة "تروث سوشال" صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها وجهه في السماء فوق قرية غرينلاندية، مرفقة بعبارة "مرحبًا، غرينلاند".
وقبل ذلك بيوم، قال ترامب في مقابلة مع الإعلامي المحافظ ستيف غروبر إن غرينلاند "ستكون تحت السيطرة الأمريكية" قبل انتهاء ولايته عام 2029.
دعم من معسكر ترامب
ولا يقتصر التحرك حول المشروع على المستثمرين والشركات، إذ رصدت تقارير إعلامية أيضًا انخراط شخصيات إعلامية قريبة من معسكر ترامب.
وأعلن الإعلامي الأميركي كالفن ماكغراو، المعروف باسم "دكتور فيل" وأحد المؤيدين الصريحين لترامب، توجهه إلى قرية إيتوكورتورميت، أقرب تجمع سكاني إلى مناطق الحفر، لتصوير سلسلة وثائقية حول المشروع النفطي، متعهدًا بالحضور عند بدء أعمال الحفر.
ويعكس هذا الحضور الإعلامي، إلى جانب تحركات المستثمرين والشركة، تداخلًا لافتًا بين المصالح الاقتصادية والسياسية والإعلامية المحيطة بالمشروع، في وقت تزداد فيه أهمية غرينلاند في الحسابات الجيوسياسية الأميركية في منطقة القطب الشمالي.
مخاوف السكان
لكن سكان إيتوكورتورميت ينظرون إلى المشروع من زاوية مختلفة، في ظل المخاوف المتعلقة بالبيئة وأسلوب الحياة في المنطقة.
وفي 13 تموز، خرج سكان القرية في احتجاجات انضمت إليها مناطق أخرى في غرينلاند. ونقل الإعلامي المستقل أورلا يويلسن، عبر منصة "إكس"، عن رئيس المجلس المحلي هانز برونلوند قوله إن السكان باتوا يدركون أن شركات أجنبية تخطط للحفر في مناطقهم الهشة، محذرًا من تجاهل مستقبل المنطقة.
وأكد برونلوند أن وقوع كارثة نفطية لن يقتصر أثرها على البيئة، بل قد يهدد ثقافة الصيد وأسلوب الحياة ومستقبل إيتوكورتورميت بأكمله.
القرار بيد نُوك
ومن الناحية القانونية، تمتلك "وايت فليم إنرجي" رخصة استكشاف سارية، لكنها تحتاج إلى موافقات إضافية لتنفيذ عمليات استكشاف ميدانية جديدة، فيما لا تزال طلباتها قيد الدراسة لدى السلطات الغرينلاندية.
وتقول "غرينلاند إنرجي"، في رسالتها إلى المساهمين، إن محادثاتها مع السلطات الغرينلاندية "بنّاءة"، من دون تحديد موعد للحصول على الموافقات المطلوبة.
وبينما تواصل واشنطن إظهار اهتمام متزايد بغرينلاند، وتتمسك الشركة بمشروعها النفطي، يبقى القرار النهائي بيد سلطات نُوك، التي تواجه معادلة حساسة بين استغلال الموارد الطبيعية، وحماية البيئة، والحفاظ على سيادتها، في ظل تصاعد الاهتمام الأميركي بالجزيرة وموقعها الاستراتيجي في القطب الشمالي.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
17:21
وسائل إعلام إيرانية: لجنة الأمن القومي في البرلمان تعتمد بالأغلبية مسودة مشروع قانون بشأن تأمين مضيق هرمز
-
17:20
قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف أطراف بلدة طلوسة ووادي السلوقي
-
17:09
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني: على المجتمع الدولي الانتقال من احتواء التهديد الحوثي إلى إنهاء مصادره
-
17:01
رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران: لن نتراجع عن مضيق هرمز بأي ثمن والمضيق لن يعود إلى الحالة السابقة
-
16:33
الخارجية المصرية: عبد العاطي شدد على أهمية تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة مهامها المؤقتة في القطاع
-
16:09
وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين: من المتوقع أن يرفع ترامب الحصار البحري عن إيران إن أعادت فتح هرمز بالكامل
