تتحول التسريبات المرتبطة بعمليات التطهير والانضباط داخل الحزب الشيوعي الصيني إلى سوق سرية على منصات التواصل الاجتماعي، في ظاهرة تثير قلق السلطات وتكشف في الوقت نفسه عن استمرار الفساد وتسرب المعلومات داخل مؤسسات الدولة، رغم حملات القمع التي يقودها الرئيس شي جين بينغ منذ توليه السلطة.
وتلاحق السلطات الصينية أعضاء في الحزب يشتبه في تسريبهم معلومات غير معلنة بشأن مسؤولين يواجهون التحقيق أو العزل، بينما يستغل آخرون هذه المعلومات لتحقيق مكاسب مالية من خلال بيعها في مجموعات مغلقة أو نشر تلميحات غامضة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقابل زيادة المشاهدات والإيرادات.
ووفق تقرير نشرته مجلة "بانيوتان" التابعة لوكالة أنباء شينخوا الرسمية، فإن بعض المسؤولين يسربون معلومات مخالفة للوائح، قبل أن تنتقل البيانات بين عدة أطراف وتُباع عبر مجموعات إلكترونية، بما يشكل ما وصفته المجلة بـ"سلسلة توريد سرية وغير مشروعة".
سوق سرية للمعلومات
تستغل حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي هذه التسريبات في نشر توقعات بشأن المسؤولين الذين قد يسقطون في حملات مكافحة الفساد المقبلة.
ويجري ذلك أحياناً من خلال نشر السير الذاتية للمسؤولين أو استخدام أسماء وعبارات متشابهة في النطق، إلى جانب لغة مشفرة تتيح إيصال الرسالة دون ذكر الاتهامات أو التحقيقات بصورة مباشرة.
ويبيع بعض أصحاب هذه الحسابات إمكانية الوصول إلى غرف دردشة مغلقة تتبادل المعلومات والتوقعات، مقابل رسوم تبدأ من عشرات اليوانات وتصل إلى مئات اليوانات. بينما يعتمد آخرون على جذب المشاهدات لتحقيق عوائد مالية، حتى إن بعضهم يبالغ في تفاصيل الفساد أو يختلق فضائح بهدف زيادة التفاعل.
وفي إحدى القضايا، اكتشف محققون مسؤولاً حزبياً في مدينة غوييانغ تعاون مع ستة من أقاربه لإدارة تسعة حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، كانت تنشر تلميحات بشأن الترقيات وعمليات التطهير المحتملة.
وتكتسب هذه المعلومات قيمة كبيرة بسبب طبيعة النظام السياسي الصيني، إذ يمكن للتسريبات المبكرة أن تمنح المسؤولين المشتبه بهم وشركاءهم فرصة لإتلاف الأدلة أو تهريب الأصول غير المشروعة أو الفرار قبل بدء الإجراءات الرسمية.
كما يمكن أن يستفيد منها مسؤولون مقربون من الحزب في الاستعداد لشغل المناصب التي قد تصبح شاغرة، فيما يستطيع مستثمرون اتخاذ قرارات مبكرة بشأن الشركات التي قد تتأثر بالتحقيقات.
تأثير مباشر على الأسواق
لا تقتصر تداعيات التسريبات على المسؤولين والمؤسسات السياسية؛ إذ يمكن أن تمتد إلى الأسواق المالية. فقد أظهرت دراسات أكاديمية صينية أن التحقيقات المتعلقة بالفساد ترفع بصورة كبيرة مخاطر هبوط أسهم الشركات المرتبطة بالمناطق التي عمل فيها مسؤولون يخضعون للتحقيق.
وشهد بنك "تشاينا ميرشانتس" انخفاضاً حاداً في سعر سهمه عام 2022، بعد إعلان الحزب فتح تحقيق ضد رئيسه السابق تيان هويو، في مثال على مدى حساسية الأسواق تجاه التحقيقات التي تطال مسؤولين بارزين في المؤسسات الاقتصادية.
وتقول الباحثة لينغ لي، المحاضرة في السياسة والقانون الصيني بجامعة فيينا، إن التحقيقات المتعلقة بالفساد تُجرى بدرجة عالية من السرية؛ ما يخلق طلباً مستمراً على المعلومات الداخلية من جانب أشخاص تحركهم دوافع سياسية أو مصالح تجارية أو اعتبارات تتعلق بإدارة المخاطر.
وترى لي أن بعض التسريبات المبكرة قد تكون وسيلة لإيصال رسائل إلى مقدمي الرشى المحتملين، مفادها أن هناك أشخاصاً داخل النظام مستعدين لتبادل المعلومات السرية مقابل مكاسب شخصية.
ولهذا، يلجأ المسربون إلى منشورات غامضة وإيحائية يصعب اعتبارها في حد ذاتها خرقاً قانونياً واضحاً.
"جواسيس" داخل أجهزة مكافحة الفساد
ولا تُعد ظاهرة تسريب المعلومات من داخل أجهزة الحزب جديدة. فقد واجه الحزب منذ سنوات حالات تورط فيها مسؤولون ومفتشون في أجهزة مكافحة الفساد في تسريب معلومات عن التحقيقات مقابل رشاوى.
وفي عام 2019، أعادت بكين هيكلة هيئة الرقابة التأديبية العليا، وفصلت بين مهام الإشراف الروتيني والتحقيقات والمحاكمات الداخلية، في محاولة لمنع المسؤولين من استغلال سلطاتهم لتحقيق مكاسب شخصية.
لكن السلطات لا تزال تواجه ما تصفه بوجود "جواسيس" وعناصر فاسدة داخل أجهزة إنفاذ القانون. وفرض الحزب عقوبات رسمية على أكثر من 7800 مفتش تأديبي عام 2023، وهو أعلى رقم سنوي خلال عهد شي جين بينغ.
وفي المقابل، يرفض شي اعتماد مزيد من الشفافية والضوابط والتوازنات داخل الجهاز البيروقراطي، وهي إجراءات يرى بعض الخبراء أنها قد تساعد على الحد من الفساد، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تقلل من مستوى السيطرة السياسية المركزية.
تسريبات تسبق الإعلانات الرسمية
وتكشف أمثلة عدة عن قدرة بعض الحسابات على نشر معلومات قبل الإعلان الرسمي عن التحقيقات.
ففي تموز 2025، نشر حساب على تطبيق وي تشات يُعرف باسم "مطلع على بحيرة يانغلان" صورة وسيرة ذاتية لتشو شيانوانغ، نائب حاكم هوبي السابق ورئيس بلدية ووهان السابق. وبعد يومين، نشر حساب آخر على منصة دويين منشوراً مشابهاً.
وفي اليوم التالي، أعلن أعلى مسؤول للرقابة الداخلية في الحزب أن تشو يخضع للتحقيق بتهمة سوء السلوك الجسيم. وكان الحزب قد طرده في يناير بتهمة الفساد، قبل أن تبدأ السلطات إجراءات جنائية بحقه.
كما واصل حساب "الأخ زيهاو من غوانغدونغ" نشر معلومات وتلميحات بشأن مسؤولين آخرين، بعضها قبل الإعلان الرسمي عن التحقيقات بأيام أو أسابيع.
وفي أواخر تشرين الثاني، نشر الحساب صورة لي هونغتشوان، وهو مسؤول متقاعد من مقاطعة هونان، مرفقة برمز تعبيري لفنجان شاي، في إشارة يُعتقد أنها تعني خضوع المسؤول للاستجواب. وبعد نحو أسبوع، أعلنت السلطات فتح تحقيق ضده.
وفي آذار، نشر الحساب أسماء وصور ثلاثة مسؤولين، بينهم مسؤولان بلديان بارزان في مدينة تشانجيانغ بمقاطعة غوانغدونغ ورئيسة سابقة لاتحاد نسائي مدعوم من الدولة في مقاطعة قويتشو. وفتحت السلطات تحقيقات ضد المسؤولين الثلاثة خلال الأسابيع التالية.
وأشاد مستخدمون بدقة معلومات الحساب، الذي نشر في يوليو أيضاً معلومات بشأن مسؤول في غوانغدونغ قبل نحو أسبوعين من إعلان فتح تحقيق ضده.
لعبة كر وفر
ترى السلطات الصينية في هذه الحسابات دليلاً على وجود أشخاص يتاجرون بأسرار الحزب لتحقيق أرباح شخصية، ولذلك كثفت جهودها لملاحقة مصادر التسريبات وتشديد الرقابة على المنصات الرقمية.
وعقب تقرير "بانيوتان"، دعت وسائل إعلام حكومية أخرى إلى تشديد الحملة ضد ما وصفته بـ"تضخيم الفساد"، وطالبت بتعزيز خوارزميات الرقابة وفرض عقوبات أكثر صرامة.
لكن جهود السلطات تواجه ثغرات قانونية وتقنية. فقد أقر أحد المحققين للمجلة بأن الجهات الرقابية تفتقر إلى أساس قانوني واضح لمعاقبة بعض الأشخاص الذين يكتفون بنشر السير الذاتية للمسؤولين على مواقع التواصل الاجتماعي.
وعندما أغلقت السلطات بعض الحسابات المخالفة على وي تشات، انتقل أصحابها إلى منصات أخرى مثل دويين، لتستمر بذلك لعبة الكر والفر بين أجهزة الرقابة والمستخدمين الذين يبحثون عن طرق جديدة لتسريب المعلومات.
وتأتي هذه الظاهرة في وقت بلغت فيه حملة مكافحة الفساد التي أطلقها شي جين بينغ مستوى غير مسبوق، بعدما تحولت من حملة لمواجهة الرشى والمخالفات إلى آلية مستمرة لإبقاء المسؤولين تحت المراقبة وتعزيز الولاء السياسي.
وبحسب البيانات الرسمية، عاقبت سلطات الحزب نحو 983 ألف شخص خلال العام الماضي، وهو أعلى رقم سنوي مسجل. ومع استمرار عمليات التطهير، تبدو المعلومات المبكرة حول المسؤولين المستهدفين أكثر قيمة؛ ما يدفع السلطات إلى مواجهة مشكلة مزدوجة: الحفاظ على سرية التحقيقات من جهة، ومنع عناصر داخل النظام نفسه من تحويل تلك الأسرار إلى مصدر للربح والنفوذ من جهة أخرى.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
18:44
الجيش الإسرائيليّ: رئيس الأركان إيال زامير أمر بتعزيز القوات بكتيبة إضافية في منطقة نابلس عقب أحداث بلدة قصرة
-
17:58
قصف مدفعي يستهدف بلدة عيناتا قضاء بنت جبيل
-
17:18
وزير الدفاع الإسرائيلي: أمرت الجيش باتخاذ كل الخطوات استعدادا للبقاء فترة أطول في المنطقة الأمنية في لبنان
-
17:06
وكالة "سانا": وزير الخارجية أسعد الشيباني بحث هاتفيًا مع رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام تعزيز التعاون والتنسيق بين لبنان وسوريا
-
16:27
الداخلية الكويتية: إحباط مخطط إرهابي كان يستهدف منشأة حيوية في البلاد
-
16:27
الداخلية الكويتية: ضبط مواطن ينتمي لداعش قبل تنفيذه المخطط الإرهابي
