
في الوقت الذي كان فيه العالم يترقب جولة جديدة من القتال الأميركي ـ الإيراني، بعد الاستعدادات العسكرية الأخيرة ورفع مختلف الأطراف سقوف المواجهة، انطلقت في نيويورك، وعلى هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، جولة جديدة من التفاوض بين واشنطن وطهران، وإن عبر وسطاء، ومن دون مقدمات سياسية واضحة. وخلال الأيام الماضية، بدأ الطرفان بتبادل الأوراق والمقترحات، على وقع استمرار الضغوط، ولا سيما من الجانب الأميركي، الذي يتمسك بسياسة التفاوض تحت الضغط والتهديد العسكري.
فهل نحن أمام جولة تفاوضية مختلفة فعلاً عن سابقاتها، أم أمام محاولة لشراء الوقت وتحصين المواقف قبل جولة جديدة من التصعيد؟ وهل أصبحت فرص التوصل إلى اتفاق حقيقي أكبر، أم أن هوة الشروط المتبادلة لا تزال تحول دون ذلك؟
ويمكن الحديث عن ثلاثة أسباب رئيسية تجعل هذه الجولة أكثر جدية من سابقاتها، وترفع، ولو نسبياً، احتمالات أن تفضي إلى اتفاق حقيقي.
أولا، الأثمان الباهظة التي يتكبدها الطرفان ومعهما العالم أجمع. اذ باتت كلفة استمرار التصعيد مرتفعة جدا، خصوصاً مع تداعيات إغلاق هرمز على الطاقة والتجارة، وضغوط دول المنطقة على الرئيس الأميركي لإنهاء هذه الحرب بأي طريقة لأن سياسة استنزاف ايران باتت تستهدف المنطقة بأسرها.
أما السبب الثاني الذي يرفع احتمال التوصل لتفاهم، فخوض الحزب الجمهوري الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني، في ظل واقع داخلي أميركي متأزم جدا وتحول الحرب إلى قضية انتخابية داخل الولايات المتحدة مع رفض القسم الأكبر من الناخبين مواصلة الحرب على ايران ودعوتهم لتحويل المصاريف التي يتم تكبدها هناك لتحسين الأوضاع المعيشية في أميركا.
ونصل للسبب الثالث، ألا وهو اعتبار ايران أن لها مصلحة باستثمار اللحظة الانتخابية في الولايات المتحدة الأميركية من خلال الضغط على ترامب واستخدام عامل الوقت للحصول على تنازلات أميركية أكبر، خصوصاً في ما يتعلق بالحصار الاقتصادي، الأصول المجمدة وحرية الملاحة في مضيق هرمز.
وبعكس ما يعتقد البعض، قد لا تكون لدى طهران مصلحة في الامتناع عن التوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات الأميركية بهدف إضعاف فرص ترامب الانتخابية، إذ إن ذلك لن يغيّر، على الأرجح، الكثير بالنسبة إليها. في المقابل، قد تكون مصلحتها أكبر في استثمار حاجة الإدارة الأميركية إلى إنجاز قبل الانتخابات، والضغط للحصول على اتفاق يلبي مصالحها ويحقق لها مكاسب واضحة.
وتشير مصادر مطلعة على الحراك الجاري إلى أن صيغة «الخطوة مقابل الخطوة» قد تشكل المخرج الأكثر واقعية للطرفين في هذه المرحلة، إذ تتيح لكل منهما تقديم تنازلات من دون أن يبدو أنه تراجع أمام الآخر. بمعنى أن ما قد يتم التوصل إليه يمكن تقديمه باعتباره نتيجة تفاهم متبادل، يتنازل فيه الطرفان بصورة متزامنة ومدروسة، كلٌّ في مقابل ما يحصل عليه من الطرف الآخر، وبما يخدم في الوقت نفسه مصالحهما المباشرة ويخفف كلفة استمرار المواجهة.
لكن كل ما سبق لا يعني أن التوصل إلى تفاهم بات أمراً محسوماً، بل على العكس، لا يزال احتمال العودة إلى القتال والمواجهة المباشرة قائماً بقوة. فالتصعيد لم يتوقف، وآخر مظاهره تشديد الولايات المتحدة الضغوط على قطاع الطيران الإيراني، مع تهديدات إيرانية بالرد على الدول التي تتعاون مع واشنطن في هذا المجال، بما يفتح الباب أمام توسيع دائرة المواجهة لتشمل مطارات ودولاً في المنطقة.
وبالمحصلة، فإن استمرار سياسة الضغط المتبادل، في وقت لا تزال فيه خطوط التفاوض مفتوحة، يجعل المشهد شديد الحساسية؛ إذ إن أي خطوة ميدانية أو ردّ غير محسوب قد يؤدي إلى انفلات التصعيد مجدداً، ويطيح مجددا بالمسار الدبلوماسي قبل أن يتحول إلى تفاهم فعلي.










/file/attachments/2401/700426.jpg)
دقيقتين قراءة/file/attachments/2401/151254.jpg)
/file/attachments/2401/1_243351.jpg)
/file/attachments/2401/479012.jpg)
/file/attachments/2401/476960.jpg)
/file/attachments/2401/f01-01-26-07-2026_977063.jpg)






