إيطاليا والمشرق: الجذور المنسيّة لعلاقةٍ عابرة للقرون

3 تشرين الأول 2026 الساعة 00:00
إيطاليا والمشرق: الجذور المنسيّة لعلاقةٍ عابرة للقرون
A- A+

تمهيد: سؤالٌ فتحته روما

منذ أن قادني العمل إلى روما، وجدتُني أمام سؤالٍ لم يكن يشغلني من قبل: ما طبيعة العلاقة التي تربط إيطاليا بلبنان والمشرق؟ فالمدينة التي عملتُ فيها ليست عاصمةً لدولةٍ حديثة فحسب، بل هي طبقاتٌ من تاريخٍ تتقاطع فيه ضفّتا المتوسّط منذ ألفَي عام ونيّف. ومن رحم هذا السؤال وُلد هذا المقال.

والبحر المتوسّط، الذي نحسبه أحيانًا حدًّا يفصل، كان في حقيقته طريقًا يصل؛ وعبره انتقلت البضائع والكتب والأفكار والألسن، ذهابًا وإيابًا، قرونًا قبل أن ترسم الدول الحديثة حدودها وتوزّع أنسابها الثقافيّة. غير أنّ الصلة بين إيطاليا والمشرق ظلّت في الظلّ، إمّا لأنّها اختُزلت أحيانًا في صورةٍ بطوليّة، وإمّا لأنّها غابت تحت وطأة النفوذ الفرنسيّ ثمّ الأميركيّ الذي تلاها.

القناة الثالثة: التجارة والموانئ

لم يكن الحرير في زمن الأمير فخر الدين طارئًا، بل حلقةً في سلسلةٍ متوسّطيّة أقدم منه بكثير. فمنذ قرونٍ خلت كانت مدن إيطاليا التجاريّة — البندقيّة وجنوة ثمّ توسكانا — تصل موانئ صيدا وبيروت وعكّا بأسواق أوروبا، تصدّر إليها حرير الجبل وتجلب بضائعها ونقدها. وفي كنف فخر الدين ازدهرت هذه الحركة، فاستقرّ التجّار والقناصل الأوروبيّون في مدنه، وبقي «خان الإفرنج» في صيدا شاهدًا على حضورهم. وهذه القناة التجاريّة، الصامتة غالبًا في كتب التاريخ، هي التي مهّدت — بلغتها ومعاملاتها ووسطائها — لما تلاها من تبادلٍ ثقافيّ وتعليميّ؛ فالتجارة تسبق الأفكار وتحمل معها لسانها. وقد ظلّت الإيطاليّة، ومعها «اللغة الفرنجيّة» المتوسّطيّة (lingua franca)، لسان الموانئ والقناصل والتجارة، بل ولسان قسمٍ من الدبلوماسيّة العثمانيّة، حتى مطلع القرن التاسع عشر.

القناة الرابعة: الدولة الإيطاليّة الموحّدة، وانزياح الألسن

مع منتصف القرن التاسع عشر تبدّل المشهد. فامتيازات الدولة العثمانيّة (Capitulations) جعلت فرنسا حاميةً للكاثوليك اللاتين في المشرق، فرجحت كفّة لسانها ومدارسها على ما عداها. وأزاحت الفرنسيّة الإيطاليّة إزاحةً منهجيّة، تحملها الحمايةُ والإرساليّاتُ والمدارس: مدرسة عينطورة – كسروان التي آلت إلى اللعازاريّين سنة 1834، ثمّ جامعة القدّيس يوسف اليسوعيّة (USJ) سنة 1875. وفي موازاة ذلك دخل الحضور الأميركيّ من بابٍ بروتستانتيّ، فتأسّست الكلّيّة السوريّة الإنجيليّة (Syrian Protestant College) سنة 1866 — وصارت لاحقًا الجامعة الأميركيّة في بيروت — ومعها المطبعة الأميركيّة التي غذّت النهضة وأعلامها من أمثال بطرس البستانيّ وناصيف اليازجيّ.

في هذا السياق جاء حضور الدولة الإيطاليّة الموحّدة (منذ 1861) متأخّرًا ومتواضعًا، ومرّ في معظمه عبر مصر لا عبر لبنان؛ حيث تجمّع في الإسكندريّة مهندسون وأطبّاء وطابعون ومنفيّون من رجالات النهضة الإيطاليّة (Risorgimento) [11]. ومع ذلك ظلّ الخيط الإيطاليّ متينًا في مواضع بعينها: في محور روما – الموارنة الذي سبق الفرنسيّين بقرنين؛ وفي الرهبنة الفرنسيسكانيّة (حراسة الأرض المقدّسة)، الإيطاليّة الطاقم والتمويل، صاحبة أطول حضورٍ تعليميّ متّصل في المنطقة؛ وفي الآباء السالزيان (Salesians) الذين أدخلوا التعليم المهنيّ منذ 1891، وإن تركّز ثقلهم في فلسطين ومصر أكثر منه في جبل لبنان. وهكذا، عشيّة الحرب العالمية الأولى، كان اللسان الإيطاليّ قد انحسر إلى هامشٍ تجاريّ وكنسيّ، بينما ساد المشهدَ الثقافيّ نفوذٌ فرنسيّ وأميركيّ.

صورةٌ صاغها مشروعان

على أنّ صورة فخر الدين كمؤسس للدولة اللبنانية، والأثر الإيطاليّ على النهضة العربية، لم تُصَغْ من فراغ؛ فقد تضافر على تضخيمهما، في النصف الأوّل من القرن العشرين، مشروعان متباعدا الدافع متقاربا الأثر.

فمن جهةٍ، سعت إيطاليا الفاشيّة في الثلاثينيّات، أيّام موسوليني، إلى موطئ قدمٍ في المشرق ينافس فرنسا، فانتهجت سياسةً مزدوجة تجاه العرب والمسيحيّين — لا سيّما الموارنة — وقدّمت نفسها «حاميةً محتمَلة لمسيحيّي الشرق»، عبر تمويل صحفٍ ونشر اللغة الإيطاليّة وتأسيس مدارس. وفي هذا الإطار تم إحياء حكاية فخر الدين والمديتشي وتضخيمها: إذ قرّرت «الأكاديميّة الإيطاليّة الملكيّة» سنة 1933 رعاية سيرةٍ علميّة للأمير، فصدرت بقلم بولس قرعلي في مجلّدين (1936–1938) بتمويلٍ حكوميّ، وأُفرد مجلّدها العربيّ ليُقرأ في الأوساط المشرقيّة؛ حتى إنّ مؤلّفها أهداها إلى «موسوليني مؤسّس الإمبراطوريّة الإيطاليّة… ومعه مؤسّس الدولة اللبنانيّة فخر الدين الثاني»، مقرِّرًا أنّ «نهضة الشرق الراهنة إنّما تدين بها لإيطاليا». غير أنّ الأمانة تقتضي القول إنّ ذلك كان دعايةً أكثر منه نفوذًا: فالجالية الإيطاليّة في بيروت لم تتجاوز نحو ألف شخص، وظلّت فرنسا مهيمنةً، فلمّا اشتدّ ردّها تراجعت إيطاليا.

ومن جهةٍ مقابلة، كانت سردية القوميّة اللبنانيّة قد رفعت فخر الدين إلى مقام «مؤسّس لبنان الحديث» الذي فتح البلاد على أوروبا؛ من تاريخ طنّوس الشدياق (1859)، إلى كتاب بولس نجيم («جوبلان») «مسألة لبنان» (1908) في أواخر العهد العثمانيّ، وصولًا إلى تيّار «الفينيقيّة» زمن الانتداب («المجلّة الفينيقيّة» 1919، شارل قرم، ميشال شيحا) الذي رأى في لبنان أمّةً متوسّطيّة غربيّة الوجهة، متمايزة عن محيطها العربيّ. وقد وجد السرد الإيطاليّ في هذا المناخ أرضًا مؤاتية، فالتقى المشروعان — لدوافع مختلفة — عند تضخيم الأمير والصلة الأوروبيّة.

ثمّ جاء النقد التاريخيّ ليخفض من غلوّ الروايتين: فقراءة الأرشيف العثمانيّ عند عبد الرحيم أبو حسين تردّ فخر الدين إلى أميرٍ ملتزمٍ محلّيّ ضمن النظام العثمانيّ، لا مؤسِّسِ دولة ؛ ويحلّل كمال الصليبي في «بيت بمنازل كثيرة» (1988) هذه التواريخ المتنافسة بوصفها بناءاتٍ أيديولوجيّة لا وقائع صافية. فلا تُقرأ أيٌّ من الروايتين دليلًا مباشرًا على الوقائع.

وينبغي، توخّيًا للدقّة، التمييز بين ما هو «كاثوليكيّ رومانيّ» وما هو «إيطاليّ قوميّ»؛ فكثيرٌ ممّا يبدو إيطاليًّا إنّما كان نشاطًا كنسيًّا عابرًا للحدود القوميّة، لا امتدادًا لدولةٍ إيطاليّة بعينها.

خاتمة: مقالٌ للفتح لا للختم

إنّ ما تقدّم ليس تاريخًا مكتمِلًا، بل أرضيّةٌ أوّليّة تُقيّم الوقائع وتشير إلى حيث ينبغي أن يُحفَر ويتعمّق البحث: في محفوظات آل مديتشي بفلورنسا، وأرشيف مجمع نشر الإيمان (Propaganda Fide) وحاضرة الفاتيكان بروما، وسجلّات الفرنسيسكان والسالزيان. ومن هذه الأرضيّة يمكن أن ننهض بدراسةٍ أوسع لأثر إيطاليا في المشرق، وأثر المشرق في إيطاليا، من الحقبة القديمة التي أشرنا إليها إلى مطلع القرن العشرين. وليس هذا المقال إلّا بابها الأوّل.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration