بين آب 1989 وآب 2017، تاريخ حافل بالتوترات و«الكريزما» المفقودة، بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، لا يمكن ان تمحوه «السنون» مهما بلغ مستوى الجمل الانشائية، رغم التطبيع غير الودي بين الرجلين فترة الانسحاب السوري.
في آب 1989، تواجه الرجلان في معركة سوق الغرب الشهيرة، والتي رسمت البدايات لتسوية الطائف، ومغادرة العماد عون الى باريس ودخول الدكتور سمير جعجع الى السجن وعودة القوات السورية وافضى الى تراجع الدور المسيحي وتحديداً الماروني.
في آب 2001، صاغ البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير والنائب وليد جنبلاط مصالحة الجبل التاريخية وتفعيل عودة المسيحيين الى الجبل، واستبعد رئيس الجمهورية في ذلك الوقت اميل لحود عن المصالحة بغطاء من بكركي.
في آب 2017 سعت البطريركية المارونية وبمبادرة من مطران صيدا ودير القمر المارونية مارون العمار، ودعم الخيرين وفي مقدمهم الوزير السابق ناجي البستاني تكريس المصالحة بقداس على نية مصالحة الجبل، بمناسبة عيد سيدة التلة في دير القمر وبرئاسة البطريرك مار بشاره بطرس الراعي وبحضور الرئيس ميشال عون وقيادات الجبل.
وفي المعلومات، ان الدعوة الرسمية وجهت للرئيس عون فقط، على اعتبار ان الاحتفال بعيد سيدة التلة تقليد سنوي يحضره الجميع، ولذلك لم يتم التنسيق مع جنبلاط بموضوع القداس وحضور الرئيس، وشكل ذلك مخالفة لمبدأ «طريق الشوف تبدأ بالمختارة»، علماً ان زيارة الرئيس عون الى الشوف هي الاولى منذ تبوئه رئاسة الجمهورية.
وحسب المعلومات، فان جنبلاط استقبل وفداً من مطرانية الشوف ووجه له الدعوة لحضور الغداء التكريمي على شرف الراعي في مطرانية بيت الدين، على ان يعقب الغداء احتفالاً يتحدث فيه الراعي وجنبلاط وجعجع وعرض فيلم وثائقي عن مصالحة الجبل من اعداد الزميل سعد الياس. واوعز جنبلاط لنواب الجبل وقيادات درزية سياسية ودينية بالمشاركة في بيت الدين، كما ابلغ انه لن يحضر قداس دير القمر وسيوفد نجله تيمور، في المقابل اعتذر الرئيس عون عن حضور غداء بيت الدين لمواعيد مسبقة.
وحسب المعلومات، بدأ التوتر يتفاعل شعبيا مع النقل التلفزيوني المباشر لقداس دير القمر وغياب جنبلاط وحضور نجله تيمور جنبلاط وحيداً ومن دون اي نائب جبلي او شيخ درزي، فيما تجاهلت الكلمات وجود تيمور جنبلاط، مما رفع حدة «الرسائل المشفرة» على مواقع التواصل الاجتماعي واخذت ابعاداً غير سليمة وتؤثر على اجواء المصالحة.
في هذه الاثناء، كان جنبلاط يحتفل في المختارة بعيد ميلاده وعيد جيش التحرير الشعبي قوات الشهيد كمال جنبلاط، وهو العيد الاغلى عنده، والجيش الشعبي هو من خاض معركة سوق الغرب بوجه العماد عون وكل معارك الجبل، وهذا التوتر الذي تفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي «نغص» على جنبلاط الاحتفال بعيد ميلاده، فأعلن مباشرة على «التويتر» ترحيبه بالعماد عون في دير القمر، واعتذاره عن المشاركة باحتفال بيت الدين بسبب «صداع قوي في الرأس» لاستيعاب ردود الفعل.
لكن المفاجأة، انه انتقل الى مطرانية بيت الدين والتقى الراعي بعيداً عن وسائل الاعلام وخاطبه بالقول: «لا يمكن يا غبطة البطريرك ان تزور الجبل ولا التقي بك وارحب فيك»، ومكث لنصف ساعة ثم عاد الى المختارة.
وحسب مصادر متابعة «ما جرى بين الرئيس عون وجنبلاط يعكس حقيقة العلاقة المتوترة بين الرجلين، وتطبيعها صعب جداً، وزاد من توترها الرسائل المتبادلة غير المباشرة طوال فترة حكم الرئيس عون، فرئيس الجمهورية استقبل كل القيادات الدرزية المعارضة لجنبلاط ودعمها، فيما رئيس التقدمي لم يزر بعبدا سوى مرة واحدة على هامش اجتماع موسع في بعبدا. واكتفى بخلوة قصيرة مع الرئيس عون.
وتشير المصادر، ان العلاقة غير الطبيعية بين عون وجنبلاط، انعكست كباشاً حاداً بين جنبلاط والوزير جبران باسيل، ترجمت بحوادث في بعض قرى الجبل، وبقطيعة شاملة ارتفعت حدّتها مع مناقشة قانون الانتخاب، واتهام الاشتراكي لباسيل بان كل اهدافه تقليص حجم الزعيم الدرزي، فيما وضع جنبلاط كل ثقله الى جانب  رفيق عمره الرئيس نبيه بري  ضد باسيل وشكل مع بري وفرنجية «ثالوثاً» ضد باسيل الذي نجح بادارة معركة رئاسة الجمهورية ووصول الرئيس عون الى بعبدا مستنداً الى دعم حزب الله.
لكن السؤال الاساسي والمركزي، هل تعني القطيعة بين عون وجنبلاط سقوط امكانية التحالف الانتخابي بينهما؟ وتجيب مصادر متابعة على هذا السؤال بالقول: انه من المبكر اعطاء جواب نهائي خصوصاً ان جنبلاط تلقى موقفاً حاسماً من الحريري يرفض خوض اي مواجهة مع التيار الوطني الحرّ في دائرة الشوف وعاليه، وانه يفضل خوض المعركة بشكل مشترك مع الاشتراكي والقوات والتيار العوني والمستقبل ومع ارسلان ايضاً. موقف الحريري سيدفع جنبلاط الى مراجعة حساباته كلياً. كما ان رفض الحريري للمعركة مع التيار الوطني يجعل الحسابات الانتخابية صعبة جداً على جنبلاط كون الحريري اللاعب الثاني في دائرة الشوف - عاليه بعد جنبلاط مستنداً الى الصوت السني في اقليم الخروب، كما ان القوات اللبنانية لا يمكن ان تخوض مواجهة مع التيار الوطني في الشوف، ولذلك يتقدم الزواج الرباعي، على «الطلاق» خصوصاً انه في ظل قانون الانتخابات الجديد لا احد يضمن النتائج والصوت التفضيلي.
ومن هنا، تؤكد المصادر ان جنبلاط محكوم بالتحالف مع التيار الوطني الحرّ في دائرة الشوف وعاليه وربما سمح له ذلك بالمطالبة بابقاء حصته المسيحية في البقاع الغربي والدرزية في بيروت، فيما المقعد الدرزي في دائرة حاصبيا بات محسوماً للنائب انور الخليل بدعم مطلق من بري وبامضاء جنبلاطي على بياض.
ما حصل يوم الاحد الماضي في الشوف كشف وبحسب المصادر، ان جنبلاط لاعب بارع، فقد نجح باظهار التباين بين التيار العوني والقوات اللبنانية واستطاع سحب القوات من عباءة رئيس الجمهورية ونجح في جمع الاحرار والكتائب والمردة تحت «بنديرته» في مطرانية بيت الدين بالاضافة الى الراعي، فيما ظهر رئيس الجمهورية في قداس دير القمر بدون اي حلفاء مسيحيين حقيقيين في الجبل وبأن حضور عدوان كان لاعتبارات تتعلق بدير القمر والجميع يعرف ان عدوان، «جنبلاطي الهوى».
يوم الاحد اثبت جنبلاط حضوره المسيحي وانه قادر على «دغدغة» الشغور المسيحي في الجبل وجمعه في بيت الدين بمباركة من الراعي الذي يدرك جيداً خصوصية العلاقات الدرزية - المارونية ودور آل جنبلاط فيها وبأن استقرار الجبل هو استقرار للبنان وعندها يكون الجبل بخير، ويكون لبنان كله بألف خير.