شكل تعطيل تنفيذ خطة البث الرقمي الأرضي أحجية محيرة خلال الأعوام الخمسة الماضية على الرغم من كون الخطة أقرت في مجلس الوزراء خلال ولاية حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وباتت موجبة التنفيذ لتلك الحكومة ولحكومة الرئيس تمام سلام من بعدها وصولا إلى الحكومة الحالية ولم تتخذ أي من من هذه الحكومات الثلاث قرارا بمراجعة الخطة او تعديلها او إلغائها وفقا للأصول بل تركت الخطة معلقة وعطل تنفيذها بفعل مدبر في حين راحت الوقائع والمؤشرات تدلل على ملامح خطة خارجية لوضع اليد على البث الرقمي وكعكته الدسمة من خلال حيازة حقوق وتوكيلات شركات الإنتاج العالمية والقنوات التلفزيونية الدولية والعربية المختلفة وبصورة تشمل جميع تقنيات البث الرقمي بواسطة الشبكات اللاسلكية والأنترنت وخدمات الكابل المنزلي المتفرعة من شبكات الهاتف الأرضي إضافة إلى تحولات ملكية مجموعات الكابل غير الشرعي.
هكذا انكشف المستور عندما انطلقت عمليات تحايل على الدستور والقوانين الناظمة من خلال اقتراحات ومشاريع مشبوهة اعترضها المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع الذي ما يزال متمسكا بالخطة الوطنية الرقمية مصرا على تنفيذها انطلاقا من واجبات الدولة وحقوقها وحقوق المواطنين المتساوية بغض النظر عن وضعيتهم الاجتماعية وأماكن سكنهم.
أحيل إلى المجلس اكثر من طلب بتعديل تراخيص سابقة لشركات نقل المعلومات التي توفر خدمات الربط المعلوماتي للمصارف لتعطى صلاحية تزويد المشتركين بالخدمات التلفزيونية الرقمية ورغم الضغوط والاتصالات رفض المجلس خرق القانون بمثل تلك الموافقة استنادا إلى وجود خطة رقمية صادرة عن مجلس الوزراء ولكون التراخيص المطلوبة تقع ضمن نطاق المرئي والمسموع الذي يفترض تنظيم استخدام تقنياته الحديثة بقانون جديد وقد تم تضمين احكامها في اقتراح قانون الإعلام الجديد الذي انجز في لجنة الإعلام النيابية وشارك المجلس في جيمع مناقشاته التحضيرية خلال السنوات الماضية ولا يجوزاستباقه بأمر واقع مخالف جذريا.
القوى الواقفة خلف المحاولات المتكررة بعضها من اهل القطاع وبعض المصارف ورساميل خليجية ودولية تريد وضع اليد على قطاع واعد بأرباح كبيرة وهي تحركت مجددا من خلال اقتراح مرسوم إنكشاري يمثل انتهاكا لمبدأ فصل السلطات وهو يشبه المراسيم الاشتراعية التي تصدرها الحكومات المفوضة بصلاحيات المجلس النيابي وعندما علم به المجلس الوطني للإعلام حذر من مخالفاته الجسيمة وانتهاكه لمبدأ فصل السلطات وعدم جواز تبني هذا النمط من التدابير.
طبعا يثير الأمر شكوكا عديدة حول طبيعة الجهة او الجهات الخارجية التي تريد الاستيلاء على كعكة البث التلفزيوني وحرمان الدولة من موارد متوقعة ومن فرصة رسمتها الخطة الرقمية لإنهاض تلفزيون لبنان باعتماد مواقع البث التابعة له كأساس للشبكة الوطنية الرقمية التي سجلت مواقعها وتردداتها وحجزت لدى الاتحاد الدولي للاتصالات.
الظاهر هو علاقات مالية لمحركي هذه المشاريع والاقتراحات بكل من شركة غوغل ومن خلفها راعيها الأميركي ( السياسي والأمني ) بالإضافة لرأسمال خليجي يركز ممثلوه  اللبنانيون على إبعاد قناة المنار عن أي عمل مشترك محتمل بين المؤسسات المرخصة في سياق هذه المحاولة بذريعة انهم لا يريدون ان يشملوا بالعقوبات الأميركية.
التسلل إلى قطاع البث التلفزيوني اللبناني للهيمنة عليه والتحكم به ولاحقا حذف مؤسسات البث التي ترفض طاعة الولايات المتحدة وحكومات الخليج جار على قدم وساق واللافت ان حلقتي سماسرة المجموعتين السعودية والقطرية تعملان كتفا إلى كتف وكأنه لا نزاع ولا بطيخ بين مرجعيتيهما بينما اهل القطاع الآخرون نيام لا يحركون ساكنا.
يوجب الاعتبار السيادي الوطني واحترام الدستور ورفض العبث بالفضاء اللبناني قرارا حكوميا بمباشرة تنفيذ خطة البث الرقمي التلفزيوني الأرضي وإحياء آلياتها فورا ومراجعتها لتيويمها بسرعة بدلا من ترك الحبل على الغارب للسماسرة المتلهفين على جبنة العمولات والحصص على حساب الدولة ومفهوم الخدمة العامة وبالعكس مما تقوم به جميع الدول المتحضرة التي تتسابق إلى إنشاء شبكاتها الرقمية الوطنية مع الإشارة إلى ان الانتقال الرقمي هو ضرورة امن قومي في ظل معضلة اعتماد شبكات الاتصال العائدة للجيش اللبناني والأمن العام حتى اليوم للترددات والتقنيات التماثلية التي ستفقد تغطيتها القانونية الدولية وتصبح مباحة للاختراق والتنصت في موعد أقصاه العام 2020 وقد أعذر من أنذر.