في العام 2008، بدأ التداول دبلوماسيًا وسياسيًا بأولى الأفكار في ملف ترسيم الحُدود البحريّة بين لبنان والأراضي الفلسطينيّة المُحتلّة، ومنذ العام 2011 إستلم رئيس مجلس النواب نبيه برّي هذا الملفّ الحسّاس، وناقشه في العمق مع مجموعة من المُوفدين الأميركيّين، من بينهم فريديريك هوف، وآموس هوكشتاين، ودايفيد شينكر، وغيرهم. وخلال السنوات الماضية، رفض لبنان العديد من الإقتراحات، وقاوم العديد من الضُغوط، بحيث تأرجح هذا الملفّ بين «هبّة باردة وهبّة ساخنة» - إذا جاز التعبير. وفي الأسابيع الماضية، جرى الحديث بشكل مفاجئ عن تقدّم كبير، وكثرت خلال الأيّام الماضية التوقّعات بقُرب مُعاودة المُفاوضات. فما هي المَعلومات بهذا الشأن؟

بحسب مصدر دبلوماسي مُطلع، إنّ التقدّم الذي جرى الحديث عنه أخيرًا يرتبط بالإطار الذي ستجري وفقه المُفاوضات، أي بشكل المُفاوضات وليس بمضمونها، كاشفًا أنّ الخرق الأكبر بهذا الشأن كان قد تمّ في آب الماضي، وبقي بعيدًا عن الأضواء. وأوضح أنّ لبنان تمكّن من فرض شُروطه في هذا السياق، حيث رفض أن تكون المُفاوضات مُباشرة مع العدوّ، ورفض أن تكون هذه المُفاوضات بهدف تثبيت أيّ نوع من الهدنة، بل لترسيم الحدود بين عدوّين. وأضاف أنّ لبنان رفض أيضًا فصل مُفاوضات ترسيم الحُدود البريّة عن البحريّة - كما تريد كلّ من تل أبيب وواشنطن، لأنّ لبنان سيخسر بذلك جزءًا من مياهه البحريّة الإقليميّة، وسيتسبّب بدُخول ملف ترسيم الحدود البريّة في غياهب النسيان. وقال إنّ دايفيد ساتفرفيلد حاول خلال العام الماضي فصل ترسيم الحدود البريّة عن تلك البحريّة، لكنّ لبنان رفض، وبقي مُتمسّكًا برفضه حتى عند مجيء وزير الخارجيّة الأميركي مايك بومبيو إلى لبنان ومُمارسته ضُغوطًا كثيفة، مُستغلاً الأوضاع الإقتصاديّة والماليّة المحليّة الحرجة.

ولفت المصدر الدبلوماسي نفسه إلى أنّ الخُطوط العريضة لإتفاق الإطار الذي يُنتظر أن يتمّ توقيعه قريبًا، تمهيدًا لمُعاودة المُفاوضات بشأن ترسيم الحدود، تنصّ على أن تجري المُفاوضات غير المُباشرة، برعاية الأمم المتحدة وداخل مقرّ «القوّات الدَوليّة» الرَئِيس في الناقورة، بحُضور قائد «اليونيفيل» الجنرال الإيطالي إستيفان دل كول، وممثّل الأمين العام للأمم المُتحدة في لبنان، يان كوبيتش. وأضاف أنّ لبنان سيُكلّف وفدًا عسكريًا من الجيش، مُطعّمًا بعدد من التقنيّين والإداريّين، تمثيله في المُفاوضات المُرتقبة، مع التذكير بأنّ ضباطًا من الجيش اللبناني كانوا قد شاركوا في السابق، في إجتماعات عدّة لضبط الخُروقات البريّة، بحُضور ضباط من «اليونيفيل»، وضباط من جيش العدو، لكن وفق صيغة المُفاوضات غير المُباشرة وعبر الجلوس بقاعات مُختلفة، بحيث تلعب الأمم المُتحدة دور الوسيط الذي يتنقّل بين الوفدين.

ولفت المصدر الدبلوماسي المُطلع إلى أنّ المُفاوضات ستنطلق من النقاط التي جرى حسمها، حيث لا عودة إلى الماضي، مُذكّرًا بأنّ لبنان كان رفض في السابق التنازل عن جزء من الحُقوق البحريّة في موقع مُعيّن، في مُقابل إكتساب جزء إضافي في موقع آخر، وذلك تبعًا للمصالح الإقتصاديّة الإسرائيليّة بشقّيها الأمني والإقتصادي. كما رفض لبنان الحلول الوسطى كأن تقوم شركة نفطيّة بإستخراج المواد الأولية الموجودة في المنطقة البحريّة المُتنازع عليها، على أن يتقاسم لبنان وإسرائيل الأرباح برعاية وكفالة دَوليّة. وتابع أنّ المُفاوضات المُرتقبة ستشمل ترسيم الحدود البحريّة والبريّة معًا، علمًا أنّ الخلاف البحري يتركّز على مساحة تبلغ 860 كيلومترًا مربّعًا، وهي تتداخل مع الحدود الإقليميّة لقبرص أيضًا، بينما الخلاف البرّي يشمل إعتبار لبنان «الخط الأزرق» ترسيمًا مُوقّتًا وليس حُدودًا رسميّة نهائيّة، ومُطالبته بتصحيح الحدود في 13 موقعًا مختلفًا، تمتدّ من رأس الناقورة إلى مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المُحتلّة. ورأى أنّ عدم فصل الترسيم البرّي عن الترسيم البحريّ، سيجعل المُفاوضات أصعب وأطول، لكنّه سيحفظ حُقوق لبنان على المدى البعيد.

وإعتبر المصدر الدبلوماسي المُطلع أنّ إلتقاء مصالح ثُلاثيّة الأطراف، حرّك ملفّ ترسيم الحُدود مُجدّدًا، حيث أنّ اشنطن تريد دفع ملفّ المُفاوضات إلى الأمام، وتضغط لأن يتمّ ذلك قبل موعد الإنتخابات الأميركيّة، لغايات مُرتبطة بحملة الرئيس دونالد ترامب الإنتخابيّة وعلاقته بالجاليّة اليهوديّة، وذلك على الرغم من مُحاولات بعض الجهات الأميركيّة المُتشدّدة، إستغلال ملفّ ترسيم الحُدود لفرض المزيد من العُقوبات على لبنان. وقال إنّ تل أبيب تريد من جهتها الحفاظ على الهدوء في الجنوب وتسريع خطوات إستغلال الموارد النفطيّة في البحر الأبيض المُتوسط بشكل آمن، خاصة وأنّها إنضمّت أخيرًا إلى «مُنتدى شرق المتوسّط للغاز» الذي يضمّ أيضًا كلاً من مصر والأردن والسلطة الفلسطينيّة، وإيطاليا وقبرص واليونان. وتابع أنّ لبنان لا يُمانع بدوره العودة إلى طاولة التفاوض، طالما أنّ إطار هذه المُفاوضات تمّ وفق مطالبه بعيدًا عن شُروط الخارج، ولأنّ لبنان في حاجة أيضًا إلى الإستفادة بأسرع وقت مُمكن من الملفّ النفطي الذي من شأنه أن يُعيد الأمل بإمكان النُهوض إقتصاديًا مُجدّدًا، ولوّ بعد حين.

وختم المَصدر الدبلوماسي كلامه بالقول إنّ لبنان نجح في تأمين إطار تفاوضي مُناسب، لكنّ الأمور بخواتيمها، لذلك يجب الحفاظ على ثبات وصلابة وحزم الموقف اللبناني، للوُصول إلى نهاية جيّدة بالنسبة إلى البلوك البحري رقم تسعة، وكذلك بالنسبة إلى الخط البرّي الحُدودي.